أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115017
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3310
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن9
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
في العمران » فعل العمارة.. ونصها

فعل العمارة.. ونصها

قد لا يوجد ثمة رابط متين بين مناسبة منح " محمد يونس " ومصرفه " بنك جرامين " المتخصص بتسليف القروض الصغيرة للفقراء ، جائزة نوبل للسلام لهذه السنة ( 2006 ) ؛ والمحاضرة الشيقة التى حضرتها مؤخرا في مدرسة العمارة بكوبنهاغن ، والتى القاها " موحان شرمان " – المعمار الهندي ، مساعد " لو كوربوزيه " في عمله على صنيعه الذي عدّ واحدا من اجمل تصاميم  القرن العشرين واكثرها طليعية وحداثة ؛  وهو مشروع  مدينة " جنديكار " الواقعة على سفوح جبال الهملايا بولاية البنجاب في شمال الهند ، المشروع الذي اشتغل عليه المعمار الفرنسي الشهير مع مساعديه الهنود لمدة زادت على عقد من السنين ، من عمل مثابر وخلاق ، لا اخشى ان اقول عنه بانه كان ، ايضا ، بطوليا  ، واستمر من بدايات الخمسينات ولحين اكمال تنفيذ معظم ابنية المدينة الجديدة  في السنين الاولى من ستينات القرن الماضي ؛ ربما لا يوجد رابط قوي وواضح بينهما ، لكني ارى  في المناسبتين استدعاء لتذاكر فائض المعطي الحضاري والانساني ، المعطى اللصيق بهما والنابع عنهما  والتمعن ، كذلك  ،  في اسلوب مقاربتهما الادائية .

 

 ولئن حجبت اوهام " تمركز " الذات الجمعية المتعالية التى عادة ما تسم اداء خطابنا الثقافي والمتمثلة باقصاء " الاخر"  ونفيه وعدم الاعتراف به ، وخصوصا " الاخر " غير الاوربي او الغربي على وجه العموم ، والعمل على تشويه منجزه الابداعي ، توطئة لتكريس " اميج " مفتعل عن " انا جمعية " متغذية  بمرويات التوهم بوهم النقاء والصفاء ، وعن " اخر " مختزل بصورة نمطية  وموسوم دوما  بالدنس والدونية ؛ اقول لان حجبت تلك الاوهام  ما يتعين علينا ادراك ما اجترحته تلك الشعوب القريبة منا ، والتى لا نعرف الشئ الكثير عن منجزها الابداعي ، فاننا بالنتيجة نعد من دون شك ، خاسرين  ؛ خاسرين في المساهمة النشطة بعمليات " التثاقف " والتقارب اللذين يعتيرا الان  " خبز " المعرفة اليومي ، ايا ً كان منبعها ، والذي تتغذى به اليوم شعوب وامم مختلفة ، ان كان ذلك لجهة فتح آفاق معرفية غير مسبوقة ، ام لجهة اختصار درجات " سلم " التقدم العلمي والتكنولوجي .

 

ومن فكرة ايجاد رابط بين المناسبتين ، يمكن التعاطي مع فعل العمارة ونصها : فعل العمارة العربية الحديثة ، ونصها العربي المنشور في وسائط الميديا الحالية  . اذ لا جدال من ان واقع مجتمعاتنا المعاصرة بجميع بلداننا العربية  تنوء تحت ضغوط مشاكل كثيرة ومتنوعة ؛ مشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية وعمرانية . ورغم تشابه " مشاكلنا " الى حد كبير مع طبيعة ونوعية مشاكل مماثلة لدى شعوب آخرى ؛ فثمة " خصوصية " تضفي بظلالها على واقعنا وتسم نوعية مشاكلنا بطابع خاص ، يكاد يكون في بعض الاحيان .. فريدا ً . وهذه الخصوصية تكمن في نزعة التغاضي المتعمد في مواجهة تلك المشاكل وانكار وجودها اصلا من قبل النخب السياسية الحاكمة بجميع تلويناتها من اقصى اليمين الى اقصى ... اليمين ( اذ لايحضر مسار اخر بعموم المشهد السياسي العربي ، حتى يكون ثمة حد ّ اقصى أخر ، كما يتطلب ذلك سياق تركيبة الجملة ! ) .  وحتى لا ابتعد كثيرا في تعداد المشاكل المتنوعة ، اشير الى " ازمة السكن "  المشكل الدائم الذي  يعاني منها مواطنو المجتمعات العربية جميعها وبلا استثناء ، معاناة تصل حد تجريد السكان من ابسط حقوقهم الانسانية ، لاغية في احيان كثيرة ، بوطأتئها الشديدة ، آدميتهم .

 

ثمة عاملان يحتم وجودهما كي يمكن ان نرى نتائج ملموسة في اتجاه حلول منطقية لهذا  المشكل وهما وفرة السيولة المالية اولا ،  وثانيا  التخطيط الصائب الذي يتضمن فيما يتضمن نوعية المقاربات التصميمية وحضورها الفعال في هذا المجال .

 

وفيما يخص العامل الاول فان مجمل اجراءات مؤسسات التسليف العاملة في بلداننا والمتخصصة بالشأن الاسكاني ، تدور  في حلقة مفرغة  لا تهدف بجدية  تحقيق اهداف ملموسة ؛ فغالبية تلك الاجراءات غير معنية عناية صادقة بتقصي  حلول ناجعة لهذا المشكل المزمن او مهتمة بالعمل على تخفيف وطأته  عن كاهل الفقراء ، بقدر ما ترمي الى زيادة نسب لربحية سريعة والتلويح " ببعبع " الاستيلاء في حالة عجز المقترضين عن دفع اقساط دورية لقروض منهكة . بالطبع ليس جميع المؤسسات المصرفية العاملة  هذا ديدنها ، بيد ان ما نشاهده على ارض الواقع من فضائح وضروب  من احتيالات معقدة تقوم بها  بعض تلك المؤسسات المتسترة  وراء لافتات واسماء براقة ومغرية مثل البنوك " الشعبية " و " الاسلامية " و " التعاونية " والاشتراكية " وما شابهها ، لا يجعل الكثيرون مطمئنين لاساليب عملها وغير مؤمنين في صدقية مقاصدها . وازاء طبيعة الواقع الملتبس وغير الصحي المخيم على نشاط العمل المصرفي التقليدي يعزف نشطاء المجتمع المدني العربي  المؤلبة ضدهم الاتهامات الجاهزة ، والمحاصرين من قبل سلطات دولهم  ، يعزفون عن تقديم طروحات وافكار جديدة تسهم في ايجاد  بدائل اخرى لتنشيط عمليات التسليف  الاسكاني ، نظراً لانشغال اولئك الناشطين في تراتبية من اولويات لم تكن ازمة السكن وما جاورها ضمن اهتماماتهم الرئيسية ؛   الامر الذي افضى الى تلاشي واختفاء احد اهم عامل من عوامل المعادلة الصحيحة وهي تنشيط   حركة التسليف التى يمكن بها التعويل جديا ً على حل هذا المشكل الدائم. 

 

وتبرز مبادرة " محمد يونس " ومصرفه " بنك جرامين " كاحدى المبادرات الخلاقة التى  تبتغي مساعدة الاخرين مساعدة حقيقة  ، مؤسسة لنفسها سلوكية همها تحقيق مرام اجتماعية نبيلة من دون ان تبتغي الربح . بيد اننا وبحكم نزعات الاقصاء والتغريب والابتعاد لم نسمع بمثل تلك المبادرات المبدعة لحين الاشارة اليها من  ... "  نوبل " . عند ذاك اتت الميديا العربية على ذكرها وتناقلت انبائها بتعجب وتساؤل مشوب ,,  بالمفاجأة ! عن كيفية اجتراح هكذا انجاز استثنائي  ، انجاز تتساوق اهميته مع اهمية الجائزة العالمية المرموقة ، من قبل " اخرين " كان لحد قريب ينظر لهم واعمالهم نظرة لا تخلو من مهانة وازدراء .

 

والتساؤل ما انفك قائما : هل بوسعنا تخطي مركزيتنا والشروع بالتعلم من تجارب الاخرين ايا كانت قومية " الاخرين " ومكانهم ؟ ،  ومن ثم الانكباب جديا ً للتعاطي مع مشاكلنا بصيغ غير تقليدية ، ليس منها حتمية  ( وحتى وجوبية !  ) نيل ارباح فاحشة والتسليم بان مساعدة الاخر ، وخصوصا الاخر المحتاج لهذه المساعدة والتعاضد معه ، ليس عملا وازعه دينيا محضا ، بقدر ما هو  عمل يكمل سلوكية الانسان المتحضر الواعي لادميته والتواق لمد يد المساعدة للاخرين والمدرك  لمشاكلهم .

 

اثار " موحان شرمان " في محاضرته عن علاقة لو كوربوزيه الحميمية بمشروعه المتعدد الوظائف  و المجسـّد لمبادي عمارة الحداثة ، والذي يعتبر المعمار الفرنسي احد مؤسيسي تلك العمارة واحد ابرز نشطاء ترسيخ قيمها في الخطاب المعماري العالمي ، تلك العلاقة الحميمية التى تجلت في تبجيله الكثير للبيئة المحلية وتراثها البنائي واحترامه الواضح لسكانها وفهمه العميق لمشاكلهم وطموحاتهم . بيد ان المحاضرة لم تكن في عمومها  مكرسة للحديث عن عمارة مباني " جنديكار " الرائعة ، ولا عن لغتها المعمارية المتميزة التى اثرت على نهج كثر من المعمارين العالمين ولا سيما العاملين منهم في مناطق ودول جنوب آسيا . اذ تطرق المحاضر الى نتاجه المعماري الخاص به ، والمشيد  في عموم مناطق الهند . وما شاهدته من امثلة مبنية وما لمسته من افكار عرضها المعمار بكل صدقية مشوب بتواضع شديد ، وما اعرفه عن منجز العمارة الهندية  وتطلعاتها ؛ كان كافيا لاستحضار مقارنات عديدة بين ما يجرى في المشهد المعماري هناك ، وما هو حاصل في نوعية الخطاب المعماري العربي المعاصر . 

 

فليس امراً غير معروف  من ان النشاط المعماري العربي بغالبيته العظمى يمثل جهدا ابداعيا غير مدرك بصورة كاملة من قبل العديد من المتلقين ، انه لا يثير اهتمامهم  كما انه لا يحظى بتعاطفهم . ومرد ذلك ، في رأينا ، قناعة الكثيرين من ان ذلك النشاط الابداعي متجه في عمومه  باتجاهات بعيدة عن تطلعات الناس العاديين او انه في احسن الاحوال غير مهتم بالاقتراب من مشاكلهم الحقيقة . هل يتعين التذكير باني ، ايضا ً ، المس هذا  واحس ّ به من خلال  قراءتي المتعددة لذلك المنجز ومتابعتي المهنية له ؟ . فالمشاريع المبنية التى عرضها المحاضر الهندي جميعها معنية في ايجاد حلول عقلانية للمشاكل التى تتصدى لها ، باستخدمات وسائل متاحة ومواد انشائية معروفة ومتداولة . انها مدارس لطلاب  لم يمنعهم فقرهم من تطلع مشروع في نيل المعرفة ، انها ايضا لمبان صحية وادارية وسكنية يمثل حضور عمارتها اثراءا حقيقيا  لتلك البيئة المبنية المحيطة وترسيخ لذائقة جمالية جديدة متأسسة من تآلف فعل العمارة المؤثر واليات تنفيذها بمواد عادية ، مواد  اضحت بيد المعمار المتمرّس مواد .. استثنائية ! . انها فوق ذلك تتمتع بلغة تصميمة حداثية تطمح لان تتساوق بتناصية مبدعة مع اعمال لو كوربوزيه ومقارباته المميزة . يمكن ، وايضا ، في هذا الصدد ، استحضار تجربة المعماريين البنغاليين الذين حققوا بعملهم الدؤوب  والابداعي  انجازات كثيرة في مسعاهم لتغيير الواقع البنائي المعاش من خلال تكوينات تصميمية انطوت على  مصداقية نفعية ومتانة انشائية وقيم جمالية عالية ، تعيد الى الذاكرة مناخات المأثرة المعمارية الفريدة  التى اجترحها " لويس كان "  في عمارة رائعته " مجمع مباني البرلمان في دكا " ( 1961-1982 ) ، العمارة التى اثرت على المسلك المهني للكثير من المعماريين ،  ولا سيما على مسعى الذين ذكرتهم توا ً التواقين الى تقصي صيغ تصميمية بديلة تسهم في تحسين ظروف معيشة الاخرين وترتقي بمستوى فضاءات اماكن سكناهم وعملهم .

 

ولئن  حضرت عمارة " حسن فتحي " ( 1899-1989 ) التى تدعي < بعمارة الفقراء  > كمعادل تجريبي لما يمكن ان يفتخر به  منجز العمارة العربية  الحديثة من جهد تصميمي مميز ذي نبرة استثنائية في المشهد المعماري العالمي ، فان ذلك ينبغي ان يقيم ّ الان ضمن معايير نقدية بمقدورها ان تضئ ، بمصداقية ، اهمية ذلك العمل وتقرأءه قراءة  ثانية . وليس في نيتنا بالطبع وضمن محدودية هذا المقال ، ابداء رأي اخير ونهائي في اهمية نهج  العمارة التى ابدعها المعمار المصري الراحل منذ ظهور اولى نماذجها في" قرية القرنة الجديدة " ( 1945-48 ) في صعيد مصر ، تلك النماذج  المميزة والمخالفة بلغتها التصميمة سياقات العمل  المعماري الشائع ، الى ما كان ينادي به من تغيير درماتيكي ورديكالي لنوعية العمارة العربية الحديثة و تبديل مرجعياتها القيمية .

 

واذا استثنينا ميزة طزاجة الاشكال التصميمية التى انطوت عليها تلك العمارة و" شعبوية  " مفرداتها مقارنة بالسياق العام للمنتج المعماري وقتذاك ، اي في نهاية الاربعينات ، فان وضع الاهداف الاخرى اللصيقة بالعمل المعماري على طاولة التحليل ستكون باعثا لنقاشات واسعة يتعين التعاطي معها بجدية وحرص كبيرين ، والنظر اليها من اوجه متعددة بضمنها التساؤل المشروع عن جدوى تغريب فعالية الانشاء ومواده عن سياقها المعاصر من جهة ، ومن جهة اخرى استنطاق تسويغ مسعى اللجوء الى عملية " تحنيط " اشكال قديمة يراد بها ان تدرك كونها مفردات تشي بنوع من التماميمية الجاهزة ، التى لا تقبل الحذف او الاضافة بل وحتى .. التأويل ؟ والنزوع ايضا لاصطفاء لحظة من فعالية ماضوية  وقطعها من سياقها ثم استنساخها لتكون لحظة معاشة صالحة دوما ً لهذا المكان ، ولاي زمان ؟ ! .

 

ورغم ان مفردات تكوينات " عمارة الفقراء " التى اشتهر بها حسن فتحي ، تعود بمرجعيتها الى التقاليد البنائية الشعبية ، التى بالغ المعمار بافراط في الحرص على استنساخ " فورماتها " ؛ فان ما آلت  محاولات توظيف تلك المفردات في التصاميم المعاصرة وبالصيغة التى روج ّ لها المعمار افضت الى نتيجة شديدة المفارقة : وهي ان امراء الخليج النفطيين وبقية الاثرياء العرب بمقدورهم وحدهم  استعمال  عناصر " عمارة الفقراء " اياها في  تصاميم  قصورهم وداراتهم ،  نظرا ً لكلفها العالية التى لا يقدر على تحمل تبعات استخداماتها المكلفة حتى ميسوري الحال ، بله الفقراء . ويلجأ الاغنياء الى تحقيق هذه العمارة طمعا في " الاستمتاع  " باشكالها الماضوية ، كناية عن ولع نوستالجي ، يتمظهر احيانا ً في شغف الاهتمام بالمنتج الفلكلوري ، وحب اقتناء مفرداته الشعبية " البلدي  " . وهذا الامر يحمل بين ثناياه دلالات خاصة قد يمكن لها ان تدحض مصداقية اسلوب تلك العمارة ، وتتشكك في جدوى منطلقاتها  التصميمية .   

 

ويظل المعيار النقدي الذي نثق به في تحديد اهمية المنتج المعماري من عدمه ، يعمل بصوابية نراها منصفة  عندما يشار الى وجوبية حضور " تميز ّ " ذلك المنتج ضمن اعمال معاصريه ، و " تجاوزه "  لسابقيه و " تأثيره " الحاسم والقوي على لاحقيه ؛ عند ذاك  يضحى العمل المعماري مؤهلا فعلا لان يكون متضمنا ً قيمة ، قيمة موضوعية قابلة للادراك  والاحتذاء والتأويل .

 

في كثير من الحالات يترك المصممون  لعمارتهم ايصال مفهوم الفكرة التصميمية وما تنطوي عليه من قيم جمالية الى متلقي هذه العمارة  انفسهم ، مسقطين في الغالب الاعم  دور توظيفات " النص " في الاشتغال على تحقيق هذه المهمة . فالنص المعماري يكاد يكون نصا مغيبا في الخطاب الثقافي العربي . فهو على خلاف نصوص بقية الاجناس الابداعية لا يحظى باهتمام الميديا العربية  الحالية ، كما ان المتلقين لا يشعروا جراء هذا الغياب ، بان ثمة  نقص ما حاصل في الجانب المعرفي . والقضية  لا تقتصر على ايصال فكرة ما ، بقدر ما يسهم  حضور هكذا نصوص في خلق مناخات تتبنى شيوع جهد معرفي بمقدوره ان يقيم المنتج المعماري ، ويشير بموضوعية الى نجاحاته واخفاقاته ، بمعنى اخر ان تكون الثقافة المعمارية جزءا اساسيا ومألوفا من المدارك الابستمولوجية للمتلقي العربي .

 

ثمة قطيعة اذن ، بين ما يُنتج معماريا وبين متلقي هذا المنتج ولا سيما شاغليه ؛ قطيعة يتحمل وزر انعكاساتها السلبية  في المقام الاول ، المعماريون الذين ارتضوا  لانفسهم معايشة هذه القطيعة ظنا ً منهم انها تكرس حالة " نخبوية "  مفتعلة يحرص الكثيرون منهم على ادامتها وترسيخها ابتغاء النأي عن تبعات استحقاقات نقدية تمارس عليهم   وعلى اعمالهم .

وما عدا نشاط المعماريين العراقيين الكتابية ، وخصوصا كتابات المعمار رفعة الجادرجي المتعددة الاهتمامات والجريئة في آن  ، فان " نغمة "  النص المعماري تبدو خافتة جدا في الخطاب الثقافي العربي ؛ الامر الذي يكرس قطيعة معرفية ومهنية بين المنجز المعماري العربي  بكل تجلياته من مقاربات مختلفة ومواضيع متنوعة  وبين متلقيه ومستخدميه . ومعلوم ان زوال مثل تلك القطيعة سيعمل في مصلحة تبادل الافكار والتعرف بتفصيل على نوعية الحلول المعمارية التى يتصدى لها المعماريون العرب اينما كانوا.

 

وايا يكن الامر ، فان فعل العمارة وتأثيره الحاسم في تغيير ظروف البيئة المبنية مرتهن كما اشرنا الى وجوب انغماس المعماريين العرب في مهام ايجاد حلول واقعية ومنطقية للمشاكل الكثيرة والمتنوعة التى تعج بها مجتمعاتنا . ولا يمكن بلوغ تلك المهام بيسر وبسرعة اذا لم نكن جادين في التعرف عن ما يجرى حولنا مهنيا ، والتعود على الانطلاق من خط نهاية التجارب البنائية الصحيحة التى انجزها معماريو بلداننا او " الاخرون " في تصديهم لذات المشاكل التى تواجهنا ؛ بمعنى اخر يتعين الاحساس بروح التكاتف والتعاضد والمساعدة  وتبادل الخبر في تقصي  حلول ناجعة للمشاكل التى يتطلب حلها تجديد البيئة المبنية وتحسين ظروف سكن وعمل غالبية الناس وخصوصا الناس البسطاء . وطالما كان اهتمام وجهد المصمميين منصبا ً نحو قضايا حقيقية وواقعية تواجه مجتمعاتهم ، فان ذلك الاهتمام وذلك الجهد سيحضيان على تعاطف واحترام الاخرين حيثما كانوا ؛ فالقيم الانسانية التى ينزع المعماريون ان تكون حاضرة في تصاميمهم وابداعاتهم هي قيم واحدة ومشتركة ، ولهذا بالذات ، يحس ّ المصممون العاملون بمثل هذه المقاربة بانهم يشتركون شراكة اخلاقية  مع آخرين معنييّن في تكريس تلك القيم الانسانية وترسيخ تلك العمارة . مرة ، كتب " ادورد سعيد " بان < النظرة الانسانية تتغذى من حسها الجمعي المتمثل بارتباطها بالباحثين الاخرين والمجتمعات والمراحل التاريخية الاخرى ، بحث لا يمكن القول ان هناك باحثا انسانيا معزولا .."

 

نعم ، لا يمكن ان يكون ثمة عزل او اقصاء في مهام تقصي حلول معمارية تبتغي تغيير البيئة المبنية الى الاحسن ، وتكون مفعمة ، فضلا عن ذلك ، بالحس الانساني .  ومن الطبيعي جدا ان يكون لدور"  النص " المعماري ، النص المساهم الاول في عملية التعريف والتبشير لمثل تلك الحلول ، الاهمية والخطورة ذاتها ، كاهـمية وخطـورة " الفعـل " المعماري ذاته .

 

د. خالد السلطاني

معمار واكاديمي

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون





تاريخ اﻻضافة | الاثنين 26 مايو 2014
عدد المشاهدات | 1083 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا