أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115017
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3310
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن8
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
في العمران » تنويعات عمارة ما بعد الحداثة

تنويعات عمارة ما بعد الحداثة

لم تعد المارسة المعمارية في سنوات السبعينات وفي الاخص في نهاية العقد منها ، مهتمة كثيرا في جدوى النقاشات الصاخبة والمريرة التى شهدها الخطاب المعماري في الستينات ، اثر ظهورارهاصات النزعات الجديدة في المشهد المعماري ، وما رافق ذلك  من تخلٍ سريع لمفاهيم وافكار تلك العمارة التى نشأت في العشرينات ، وتبلورت مفاهيمها في الثلاثينات ، لتصل الى قمة ازدهارها وبلوغ اوج انتشارها في الخمسينات ، ومن ثم تقبلها من قبل اوساط معمارية مختلفة الامكنة والثقافات .  فالحدث الذي بشرّ به " روبرت فنتوري " في كتابه الذائع الصيت < التناقض والتعقيد في العمارة > ، ما لبث ان اضفى عليه الناقد المعماري " جارلس جينكز " مفهوما محددا ، اختزله بمصطلح " عمارة ما بعد الحداثة " – ذلك المفهوم الذي يؤسس لنفسه منطلقات واسس خاصة بعيدة عن طروحات "  العمارة الحديثة " وتصوراتها ؛ بل وقد بدت تلك المنطلقات وكأنها بديلا مباشرا لتلك الطروحات  ،  وفي احيان عديدة نقيضا ً صريحا لها .

 

ومهما يكن ،  فان العقد السبعيني وما تلاه افرز ، بما لا يدع للشك ، عمارة انطوت مرجعيتها على فكر مغاير ، فكر متأسس على خلاصات النجاحات المرموقة  في مجال الثورة العلمية التكنولوجية ، وما اعقبها من انعطافات جذرية في صميم مجالات المعرفة وعلم الجمال وطرائق النقد والتلقي ، تلك المجالات التى اعتمدت على مرجعيات فلسفية جديدة  وعلى تقدم غير مسبوق في العلوم الانثروبلوجية والسوسيولوجية . وما ريناه من ظهور لشواهد بنائية  كثيرة تطلعت  بمقارباتها الى تكريس مفاهيم تصميمية  جديدة في الممارسة المعمارية الحديثة ، لهو خير دليل على ان التغيير الذي حصل في مجال التصميم ، لم يكن محض نزوة عابرة ، كما لم يكن حدثا ً مؤقتا ، وانما كمن كنه ذلك التغيير في كشوفات حقيقية لمفاهيم معمارية مغايرة ، سعى المعماريون الحداثيون الى تكريسها في المشهد المعماري  وحرصوا على تبيان لغتها التصميمية المعبّرة . وليس ببعيد عن تلك الاجواء عمارة مبنى " البنك المركزي العراقي " في بغداد بالعراق ، والمصمم من قبل مكتب " ديسين و ويتلين  Dissing + Weitling  " الدانمركي ، والذي نكرس مقالناهذا  لعمارته المميزّة، والتى هي الاولى ، كما نظن ، في ادبيات النقد المعماري العربي التى تتعاطي مع عمارته ، رغم اهمية المبنى وضخامته ، محاولين تتبع مرجعيات التصميم والكشف عن تفرد  لغته التكوينية في الخطاب المعماري المحلي والاقليمي والعالمي ايضا .

 

نال التصميم المقترح من قبل المكتب المذكور  ( المعمار الرئيس : بول اوي ينسين  Poul Ove Jensen  ) ، المرتبة الاولى في مسابقة دولية لتصميم مبنى البنك المركزي نظمت  سنة 1978 ،  وتم لاحقا  تنفيذ المشروع في 1981- 85 .  ولعل الخبرة الاختصاصية العالية في مجال تصميم مصارف مركزية التى يمتلكها المكتب ، وحضور مثل تلك المعرفة  في التصميم المعد اسهم ، كما نعتقد ، في نيل مقترح المكتب الاسكاندينافي المرتبة الاولى في تلك المسابقة . فالمعلوم ان مكتب " ديسين ووايتلين " هو وريث مكتب " انى ياكبسون " – المعمار الدانمركي الاكثر حضورا  وشهرة في المشهد المعماري العالمي ، الذي توفي فجأة في سنة 1971 . وبعد تلك الوفاة التراجيدية لمؤسس المكتب ، ولاعتبارات محض تقنية قاما " هانس ديسين " و " اوتو ويتلين " المعماريان العاملان الرئيسيان في " مكتب ياكبسون " الى تأسيس مكتبهما باسم " ديسين + ويتلين " وبالاشتراك مع غالبية الكادر العامل في المكتب السابق . وقد سبق لمكتب " انى ياكبسون " ان اضطلع في تصميم مشروعين لمصرفين مركزيين مهمين هما : " المصرف الوطني الدانمركي "  في وسط العاصمة الدانمركية – كوبنهاغن ( 1971-78 ) ، و" المصرف الوطني الكويتي " المشيد في مدينة الكويت ( 1966- 1976 ) . وكلا المبيين عدت عمارتهما من الاحداث المهمة والمؤثرة في المنجز المعماري الاقليمي .

 

ينهض مبنى " البنك المركزي العراقي " عاليا ً بارتفاع 40 مترا في وسط بيئة بنائية بغدادية مكتظة ، تمثل في الوقت الحاضر المركز المالي الرئيسي للعاصمة العراقية . كما يقع المبنى على تخوم منطقتين بنائيتين ، احداهما تتسم على نسيج تخطيطي تقليدي متراص بمبان ٍ ذات ارتفاعات واطئة بمجملها ، لا تتعدى طابقين الى ثلاث ؛ في حين امتازت خصوصية البيئة البنائية في المنطقة الاخرى على حضور كثيف لمختلف المباني الحديثة المنطوية عمارتها على لغة تصميمية معاصرة في غالبيتها . وتشكل هيئة مبنى المصرف الجديد كتلة مكعبة ضخمة من الجدران المصمتة والمكسوة بالرخام الابيض ؛ وتستدعي  فورماتها القوية والواضحة الى الذاكرة تستدعي ظاهرة المصطلح التخطيطي السلبي < الفيل الابيض ! > ؛ كناية عن حضور عناصر تخطيطية لا يتلائم وجودها بالمرة مع سياق ومفردات خصوصية نسيج  البيئة المبنية المحيطة لا من حيث المقياس ولا الشكل ولا اللون ولا المواد . لكن المبنى وان بدا حقا ً " فيلا ابيضا ً "  الان ، فان نوعية عمارته واسلوب توقيعه يشيران الى حالة مستقبلية ، ستجعل من شكل هيئتة الحالية شكلا ً متساوقا مع تصورات لمفردات تخطيطية منتظرة ،مخصصة لهذا الموقع ومحددة في مقترح التخطيط العمراني لهذه المنطقة من العاصمة العراقية ، بعبارة اخرى ان الحل المعماري لهيئة المبنى الانية  هي في الواقع استجابة لاشتراطات التخطيط الاساسي لمدينة بغداد المستقبلية ، وهو قرار معماري سليم ينطوي على مصداقية مهنية ، رغم الانطباع السلبي الحالي الذي يتركه المبنى على شواهد المكان .

 

يكاد يكون الحل التصميمي المعتمد في عمارة مبنى البنك المركزي ، متأثرا ً الى حد كبير بالنهج  الظاهراتي / الفينومنولوجي Phenomenology  . وهذا الاحساس يتأكد من طريقة تجميع الفراغات والاهتمام بالمعطي الوظيفي ، المعطى الذي حدد ، في اعتقادنا ، اسلوب عمارة المبنى وميز ّ المعالجات التكوينية له .  فالتمثيل الوظيفي للفراغات وان تجنب فعالية التأويل تماشيا ً مع اشتراطات النهج الظاهراتي ؛ فانه ما فتأ ان ظل مسكوناً برغبة جامحة تتوق الى التفرد الهيئاتي واسثنائية الحل المعماري . لكن ذلك التمثيل وما رافقه من تنطيق فراغي ، قد خضع لاعتبارات معمارية محددة ، اعتبارات اصطفاها المعمارلنفسه وافضت الى الحل المعماري المرئي  . وهذه الاعتبارات يمكن اجمالها بنقاط معينة منها  : ان الموضوعة البنائية التى يتعاطى معها المعمار تمثل " ثيمة " هي في الواقع ثيمة معروفة جدا ً لديه ، ومألوفة ومتداولة تصميما ضمن الاعمال المنجزة في مكتبه . فالوظيفةالاساسية للمبنى هي مصرف ، ومصرف مركزي تحديدا ً ، وهذه الوظيفة هو على اطلاع واسع بها وملم بها باتقان ، عدا عن كونه ضليع في  استيلاد استجابات تصميمية مقنعة لمتطلبات احياز تقوم بمهام وظيفتها بشكل كفء من اعمال مكتبية واجراءات مصرفية خاصة باداء المؤسسات المالية .

 

والامر الاخر في تلك الاعتبارات هو نزعة المصمم المتجردة في اتجاه  خلق منشأ وظيفي معاصر ، من دون السعي وراء اية محاولة لاضفاء بعد فلسفي على معالجاته التصميمية ؛ فهو هنا حريص على تثبيت حقيقة الظاهرات الواقعية للاحياز المصممة للمبنى باسلوب مباشر وصريح ومتخم بالوظيفية ، وخصوصا الوظيفية التى يقرأ المتلقي مضمونها من النظرة الاولى لعمارة المبنى ، المبنى  الذي يتراءى له  وكأنه  صندوق : صندوق مغلق ، ومحكم السد ّ ، تشي جدرانه المصمتة الى حيّـز مصان ! . والامر الثالث لتلك الاعتبارات يكمن في اشهار المصمم  عن قناعاته التصميمية لقطيعة ، او الاصح شبه قطيعة مع خصوصية المكان ، وتغاضيه عن مراعاة اشتراطات البيئة المبنية المحلية وتقاليدها ؛ وان بدا مهتما احيانا في خلفيات تبعات الظروف المناخية المحلية واسقاطاتها على قرارته التصميمية ؛ رغم ان  خلفيات تلك القرارت كانت تشير ، في  اعتقادنا ، الى مرجعية آخرى تجد اصولها في ممارسة معمارية حظيت باهتمام كبير من لدن معماريين حداثيين عالميين ، وتقبلها المعماريون الدانمركيون في حينها  بابتهاج ظاهر، كما سوف نشير الى ذلك لاحقا . وتـُعدّ الاشارة الى مجموعة تلك الاعتبارات وتحديدها كمنطلقات تصميمية وجهت مسار المصمم والتصميم ، يعد امرا ً لا مندوحة منه لحسن ادراك مبنى البنك ، وفهم عمارته المقترحة .

 

يختزل المعمار فكرته التصميمية لمبنى البنك المركزي العراقي في مفردة تكوينية واحدة ، وينزع الى جعل  فراغات المبنى تتمحور حولها . وهذه المفردة دعاها النقاد " بالفضاء الفسيح ، الواسع  والرحيب  -Big Space  " ؛ وسبق وان وظفها بمهارة عالية " جون بورتمان John Portman  " في الستينات في سلسلة من الفنادق الفخمة ذات اللغة المعمارية المعبرة والمتفردة شيدها في مناطق مختلفة  بامريكا . وهي ذات الفكرة التى دعى اليها ايضا " لويـس كان  Louse Kahn "  ولقيت تجاوبا كبيرا من قبل معماري الحداثة في اقطار اوربية عديدة ولاسيما في الدانـمرك .وتنشد تلك الفكرة الى عدم التفريق بين " الماهية Essence  " و" الحضور Appearance  " ، وانما يتعين ادراكهما كظواهر متطابقة ومتماثلة ، الامر الذي بمقدور"  الداخل ان يكون خارجا ، وان يضحى الخارج داخلا ! " على سبيل المثال . واحدى تطبقات فكرة " الفضاء الفسيح " تكمن في نقل "جوهر " الميدان الحضري المفتوح  الى فضاء داخلي رحب مسيطر عليه بيئيا ً ، وهي ذات الفكـرة التى نشـاهدها في عمارة البنك الـمركزي العـراقي .

 

يستثمر المعمار وجود  فضاء المعاملات اليومية ذا الاهمية الخاصة في تشكيل البرنامج  الفراغي بالمؤسسة المصرفية ،  لانجاز حيزّ فسيح في التصميم  يتناسب سعته مع وجود عدد متعاملين كثر من زبائن المصرف . وهذا الحيز ّ ذاته بالاضافة الى بهو المدخل سيشكلان نواة الفضاء الذي تتمحور حوله فراغات المبنى العديدة الموزعة على عشرة طوابق ، والتى يمكن من منسوبه الارضي مشاهدتها جميعا بنظرة واحدة . ثمة تدرج فضائي ممتع يسعى المصمم الى بلوغه في مهام توزيع احياز المبنى . ذلك لان الركون الى مقاربة واضحة ومباشرة للحل التصميمي المعتمد على ثيمة التبادل الموقعي بين الداخل والخارج ، والذي يسم عمارة المبنى ، حدا بالمعمار لان يوظف مقدرته التصميمية لاثراء التكوين ، من خلال خلق سلسلة من اختلافات فضائية متناوبة ، تبدأ من لحظة الشروع في قرار الدخول الى المبنى ، واجتياز ممر الدخول للعبور الى بهو المصرف والوصول اخيرا ً الى القاعة الرئيسية الرحيبة الخاصة بالمعاملات المصرفية اليومية .

 

وعلى امتداد طول هذا المسار ، سيشهد الزائر- الزبون بنفسه التحولات الفضائية المتعاقبة من خلال سيره اولا ً عبر الممر الضيق العالي المحفور في الكتلة الرخامية ، والذي سيصب عند ساحة المدخل الفسيحة المضاءة  ،وليلمح  بوابات المدخل الموقعة بانكسار واضح عن محور الممر ضمن جدار – شاشة  مربعة ومزججة بالكامل على ارتفاع خمسة طوابق ؛ وعبر بهو المدخل العالي ايضا ً بذات الخمسة طوابق اياها ، يصل الزائرالى قاعة المعاملات المصرفية المربعة ، بيد ان ارتفاعها الان هو بارتفاع المبنى كله ، اي بعلو عشرة طوابق كاملة . ويتم اضاءة " التجويف " ومجاوراته من فراغات مزججة مطلة عليه ، من الاعلى بواسطة اضاءة سقفية تتجنب مرور الاشعة المباشرة وباسلوب يقلل من وهج الضياء المسرف المتسم به الجو البغدادي المترب .

 

لا يجدي هنا بالطبع نفعا ً البحث عن مقاربات تماثلية بين مفردة " الفناء " الوسطي الحاضرة دوما في نسيج  تكوينات الابنية التقليدية المحلية ، وبين استخدام المصمم الاسكاندينافي " لحفرته " العالية الضخمة ذات الاهمية القصوى في الحل التكويني – الفضائي لمبنى البنك المركزي العراقي ، وان كانا كلاهما متماثلين شكليا ً . فمرجعية معمار المبنى الاخير ، الموسسة لخياره التصميمي ، تستقي وجودها من ممارسات تصميمة محلية ( دانمركية ، على وجه الخصوص ) وعالمية معا ً . وليس ببعيد هنا رصد رغبة المصمم  لاعادة انتاج صورة " اميج " الحل التصميمي المميز والخاص بالفضاء " النظيف " العالي بارتفاع خمسة طوابق  لبهو " المصرف الوطني الدانمركي "  بكوبنهاغن ، والمقتصر فضاءه الفسيح على مفردة السلم  المكشوف ؛ كما ان شيوع ممارسة استخدامات مفهوم  Big Space   التى تكلمنا عنها سابقا في الخطاب المعماري العالمي ،  قد يكون لها تأثير ملموس على اصطفاء المصمم لمثل هذا الاسلوب في الحل التكويني . وتعد مداخلة المعمار في اصطفاء هذا النوع من المقاربة المعمارية لمبناه ، المقاربة المتصادية مع ممارسات معمارية دانمركية وعالمية ، امرا ً جديدا وغير مسبوق في المشهد المعماري العراقي وحتى الاقليمي ايضا ً . وقد اضاف المعمار الى موضوعة الحل  التكويني " النَفس " الاسكاندينافي الرفيع المهتم في التفاصيل ، والمتمكن من حسن اختيار المقياس والمولع في اكساب جميع عناصر المبنى دقة متناهية من حيث الشكل والتنفيذ .

 

 يبدو المبنى من الخارج وبسبب نزعة تقليل النوافذ الى ادنى عدد ، وبسبب ايضا ً، طريقة الاكساءات الرخامية المستمرة الملساء التى تخفي حدود طوابق المبنى ، يبدو  وكأنه قطعة حجرية صلدة ومصمتة ، عكس تماما ما سوف يفاجأ المعمـار به زوار المصرف من داخل حافل بالخفة والشفافية المتأتية من الحضور الكثيف للجدران الستائرية المزججة ، وما صاحبها من بريق ولمعان واسلوب اضاءة مميز ، وقد استثمر ذلك لجهة تكريس وتفعيل التعارض التكويني بين الداخل الشفيف والخارج الثقيل  شبه المصمت ، وليضفي على حله التصميمي المغرق في وظيفيته بعدا جماليا مضافا نابعا من تبعات ذلك التعارض الذي جاء واضحا وقويا ومفاجئا في آن ! .

 

ثمة اشكالية حقيقية ربما جابهت المعمار في مهمة توقيع المبنى في مكانه ، المكان العاج بالتناقضات البنائية والمثقل بتنوع وتعدد الاستخدامات الوظيفية . ومع ان المبنى " القديم "  للبنك المركزي العراقي المشيد في ( 1957-59 ) ، المعمار : دونكل ، والمجاور للمنى الحديث ، يتبع ذات المقاربة المعمارية من حيث التركيز على موضوعة الفضاء الداخلي ، وترك الخارج مصمتا ومغلقا ً ، فان الارتفاع الشاهق للمنشأ الجديد وضخامة الكتل المختارة له ، وهندسيته النظيفة الواضحة، كانت تمثل تعارضا  سافرا بينه وبين شواهد  المكان ؛ الامر الذي حتم على المعمار اللجوء الى كسر تلك الهندسية والتقليل من وطأة الارتفاع العالي ، والتخفيف من شدة صلادة الكتل المصممة ، باحداث بروزات كتلوية تبرز من " جسد " المبنى الاساسي وباشكال تحد من حدة انتظام هندسية الكتل الرئيسية وقابلة لنشر فتحات نوافذ واسعة وبارزة فيها ، تثري بظلالها الداكنة سطوح الجدران الملساء .

 

واذ عُدت عمارة البنك المركزي العراقي ، بنهجها المعماري الفريد وامتلاكها لعناصر تفصيلية دقيقة ومتقدمة ، حدثا ً مهما في الممارسة المعمارية العراقية ، فان الكثيرين بضمنهم المعماريين وطلاب العمارة لم ينتبهوا كثيراًً لاهمية ذلك الحدث وخطورته ، المؤسس لظاهرة ما بعد الحداثة في الخطاب المعماري المحلي ، بسبب النزعة الاستحواذية للنظام الديكتاتوري التوتاليتاري البائد ، الذي  جعل من المباني العديدة المشيدة حديثا باموال الشعب العراقي ، وكأنها ملكا ً خاصا به ، لايحق للاخرين التقرب منها ، وحتى النظر اليها ! . وامست عمارة مبنى البنك بالنسبة الى العديدين مبنى " مغلق " – يستحضر وجوده الفيزياوي الى الذاكرة ، مفهوم " خزنة " الدكتاتور الخاصة و" قاصة "  عطاياه المسمومة .  لكن التغيير المبارك الاخير الذي افضى الى سقوط الديكتاتورية حمل معه اعادة الاعتبار للكثير من المباني ووهبها شرعيتها المعمارية المغيـّبة والمسروقة ؛ وبامكان الجميع الان ، ولا سيما المهتمين التعاطي مع عمارة مبنى البنك المركزي العراقي بمهنية ، واعتبار تلك العمارة  كاحدى  تنويعات عمارة ما بعد الحداثة المثرية بجد ّ الخطاب المعماري المحلي .. والاقليمي ايضا ً.

 

د. خالد السلطاني

معمار واكاديمي

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون





تاريخ اﻻضافة | الاثنين 26 مايو 2014
عدد المشاهدات | 1010 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا