أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115017
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3310
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن2
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
في العمران » عمارة زهاء حديد: واقعية الفضاء الافتراضي

عمارة زهاء حديد: واقعية الفضاء الافتراضي

ثمة شعور خاص واستثنائي ، ينتاب المرء ، عندما يجول في فضاءات واقعية ، سبق وان تعرف عليها افتراضا ً عبر مخططات معمارية مشغولة هي ايضا بشكل استثنائي . وهذا ما يحس به زائر التوسعة الجديدة  لمتحف " اودغوبغو " Ordrupgaard ، الواقع في شمال ضواحي العاصمة الدانمركية – كوبنهاغن ، والمصمم من قبل المعمارية العراقية الاصل ذات الشهرة العالمية :  " زهاء حديد " . وقد جرت مراسيم حفل  انتهاء بناء التوسعة مؤخرا ، وتم تدشين افتتاحها في يوم 30 آب ( اغسطس )  2005 ، بحضور ملكة الدانمرك " مارغيته الثانية " ، وبمشاركة المعمارية المشهورة نفسها .

 

ومعلوم ، ان " زهاء حديد " في جميع مشاريعها  تتكأ في مقارباتها التصميمية على استراتيجية " التفكيك Deconstruction  "، تلك الاستراتيجية التى تدرك الفضاء المصمم و " غطاءه " معا ً ، كقيمة تصميمية مميزة ،تفضي الى تشكيل هيئات معمارية غير عادية  " تتلبسها " حركة موارة ، تحيل تلك الهيئات الى محض كتل ، تتندمج فيها وظائف مفردات الانشاء فيما بينها ، وتتلاشي خصوصيتها ،  ويتأسس هذا الادراك على قاعدة  التفسير الذاتي والتأويل الشخصي لمجمل البرنامج التصميمي للمنشأ المصمم ، مع الاهتمام بخصوصية المكان ، ومن ثم ترجمة كل ذلك الى رسومات تخطيطية تقود لاحقا الى تشكيل نماذج تصميمة عديدة . ومن خلال الاشتغال على هذا الاسلوب ، فانها نجحت في دمج متطلبات برنامج " التوسعة " المتشعب نوعا ما ،  للخروج بهيئة معمارية نادرة حافلة بحضور اسلوب " انسياب " الفضاءات بصورة معبرة وجريئة . وفي النتيجة فنحن امام بلاغة متقنة لصياغة معمارية لامعة ،"  ليس فقط لجهة الاحساس بها لذاتها ، وانما ايضا لجهة ارتقاء بالامكانات غير العادية ، المرتبطة باسلوب عرض اعمال المتحف الفنية ." ؛ وفقا لتقييم احد النقاد المعمارين الدانمركيين .

 

... عندما اخبرني المعمار العراقي الراحل " عبد الله احسان كامل " في النصف الاول من عقد الثمانينات ،  بانه اطلع مؤخرا ، على مخططات مشاريع " زهاء حديد " ،المـُعارة اليه من قبل والدها ، الشخصية السياسية العراقية المرموقة " محمد حديد " ،  ، كان ذلك اول " معرفة " لي بعمارة " زهاء"  ، واسمها ، التى ستضحى لاحقا وسريعا من ابرز رموز العمارة العالمية . كان الانطباع الاولي الذي خرج به احد مؤسسي العمارة العراقية الحديثة الاساسيين ، بان  رسوم مخططاتها لا يمكن ادراكها بسهولة ... وفي حينها نزلت عليّ كلماته كالصاعقة ! . اذ كيف يمكن لمعمار متمرس ، واستاذ قدير كعبد الله احسان كامل ، عالي الثقافة وخريج " هارفرد " المشهورة ، ان يجد مشقة في قراءة مخططات معمارية ؟ ؛ وماهي طبيعية تلك الرسوم التى يتعذر " فك " شفرتها ؟ . ورغم احساسنا باننا كنا في العراق ، وقتذاك ، وبسبب سيطرة النظام الديكتاتوري التوتاليتاري ، معزولين تماما ، عن ما يدور في " الورشة " المعمارية العالمية المجاورة ، من شيوع مفاهيم وتحقيق منجزات ، ذلك لان  الجو المهني والعلمي كان " مترعا " بجدب ثقافي عميق ، يزيده ترسيخا ً، سلوك " الاباء " الجدد الغارقين في اميتهم ، والاتين من قيعان الارياف الرثة ، والمتبوؤيين لاعلى المناصب القيادية في الدولة العراقية ؛ رغم ذلك الاحساس بالعزلة ، فقد كان عصيا ً علي ّ " هضم " قبول حادثة " عدم القدرة " في فك طلاسم المخططات اياها . الامر الذي شوقني كثيرا للاطلاع على تلك المخططات ،وامتحان قدرتي في " قراءة " رسوم لا يمكن بسهولة قراءتها ، وهو ما وفره زميلي الراحل  لي سريعا .

 

واذكر بان قسما من المخططات كانت خاصة بمسابقة " نادي على قمة جبل " في هونك كونغ ( 1982-83 )، والتى اعلن مؤخرا في حينها ، فوز المصممة فيها . كانت المخططات فعلا مرسومة باسلوب غير تقليدي ، اسلوب تتداخل فيها رسوم المخططات الافقية للطوابق المتعددة  مع مقاطعها ومناظيرها ؛ ويتم فيها عرض اسلوب معالجات الواجهات المختلفة بنظرة واحدة ، وكل ذلك مشغول على خلفية رسوم " كنتورات " تضاريس الموقع ، المؤشرة بخطوط متعرجة ، داخلة وخارجة ! .

 

لم يكن اسلوب رسم المخططات لوحده امرا غريبا ، اذ بدت العمارة ذاتها انجازا فريدا واستثنائيا ، انجازا يطمح لان يكون متساوقا مع طبيعة متغيرات  فلسفية ومهنية طرأت على المشهد الابستمولوجي المعاصر . واذ تتوالى نتاجات زهاء حديد لاحقا ، مع نتاج معماريين آخرين ، فان مرحلة جديدة لعمارة غير مسبوقة بدأت ارهاصاتها تظهر معلنة بوضوح عن تلامس الفعالية المعمارية لتخوم ابداعية ، لم تكن مفرداتها متداولة اصلا ولا معروفة مسبقا لدى المصمميين . وها انا الان ، اقف في" لجة " الحيز الواقعي  لتصميم نادر التنفيذ ، من تلك المشاريع العديدة التى عكفت" زهاء " على تصاميمها في الفترة الاخيرة ، وباتت اغلبها رسوما ورقية غامضة وملتبسة ، لم يكن من السهل " قراءتها " ، ناهيك عن محاولة تنفيذها  . اقف ، اذن ، في منتصف فضاء متحف " اودغوبغو " ؛ مستذكرا ً احساسي الاولي ، ذلك الاحساس الذي شابته الدهشة ، عندما اطلعت لاول مرة ، على اسلوب مخططاتها في الثمانينات ، واستمرت  متابعتي ، لاحقا ،  لنشاطها المهني عبر مقالات نقدية سعيت من وراءها الى اضاءة منجزها المعماري ، مقدما اياه الى القارئ العربي ، كاسرا ، في الوقت عينه ، حاجز الصمت الذي لف ّ نتاجها في ادبيات النقد المعماري العربي .

 

ورغم فرادة الحدث التصميمي الماثل امامي ، واهميته في المسار التطوري للعمارة المعاصرة ، ورغم اني بتُُ شاهدا ومستخدما في آن ، لتلك العمارة المثيرة لنقاشات صاخبة ؛ فقد وددت ان استثمر وجودي الفعلي، غير الافتراضي ، في فضاء المتحف الواقعي ، لاختبار مصداقية اطروحة عمارة التفكيك ، التى تعتبر " زهاء " واحدة من ممثليها الاساسين ، بقراءة " نص " عمارتها باسلوبين ، احدهما يقف بعيدا عن الانقياد لتبعات ضغوط التصورات المسبقة ، والتسليم بصوابية مناهج النقد الحديث المفسرة ( والمبررة .. ايضا ً ) لتلك العمارة  ؛ والاسلوب الثاني  الاستعانة باطروحة التفكيك  ، وما تفرزه من مفاهيم غير مسبوقة ، تؤسس لعمارة مخالفة : عمارة ما بعد الحداثة . بكلمات آخرى  ، نشدتُ تعقب عمل عواقب الفكر التصميمي الذي تظهره رسومات تخطيطية ذات نفس تشكيلي ملتبس ، كانت دوما تتجنب الالتزام  بمعايير القراءة المبسطة  .

 

ويتعين عليّ قبل الشروع برصد التأثيرات الحسيّة التى تولدها عمارة المبنى ، ان اذّكرّ بمسار التصميم ومتطاباته . ففي مارس من عام 2001 ، نظمت وزارة الثقافة الدانمركية مباراة معمارية مغلقة لتوسعة " متحف اودغوبغو " . وقدرت مساحة التوسعة بـ 1.150 مترا مربعا  لاضافة قاعات عرض جديدة ، منها 254 مترا مربعا مخصصة الى المعارض الخاصة ، ومثلها من الامتار لعرض المقتنيات الدائمية للمتحف ، كما توخت التوسعة تأمين تسهيلات اضافية الى الجمهور وتأمين فضاءات الى بهوالمتحف  ، بالاضافة الى تأمين 220 م2  مخصصة الى فضاءات  مقهى مع خداماته ، و قاعة متعددة الاغراض .

 

دُعيت سبعة مكاتب استشارية  للمشاركة في المسابقة المعمارية ، منها ثلاثة مكاتب دانمركية ( بضمنهم مكتب هنينغ لارسن – معمار الدانمرك الاول ، ومصمم مبنى وزارة الخارجية في الرياض بالسعودية 1981-84 ) ، ومكتب " زهاء حديد معماريون"  من لندن ، ومكاتب من فرنسا وهولندا والمانيا . ومنحت لجنة التحكيم بالاجماع ، في 28  ايلول < سبتمبر > 2001 مقترح " زهاء " المرتبة الاولي  " واعتبرته احسن تقديم ضمن التقديمات السبعة ، واوصت بتنفيذه على ان يراعي التصميم مقترحات اللجنة ، فيما يخص النواحي الوظيفية والتقنية . وفي 6 تشرين الاول < اكتوبر > 2003 ، تم وضع حجر الاساس للمبنى ايذانا ببدء عمليات التشييد ، التى اكـتملت بافتتاح توسعة المتحف في 30 آب < اغسطس > 2005 ، كما اشير سابقا ً .

 

لا يشعر المرء وهو داخل " حيز " توسعة المتحف الجديدة بان الفضاء الذي يحيطه هو فضاء مألوف وعادي  ؛ وفقا لاشتراطات مفاهيم الاسلوب الاول ، الذي حددنا خصائصه توا . ومرد هذا الشعور " الغريب " يعود الى اسلوب وضعية العناصر التركيبية واشكالها التى تغلف ذلك الفضاء وتحدده . فليس ثمة " الواح " جدران في كل التوسعة تنهض باستقامة . وماعدا استواء ارضية فضاء قاعات العرض ( التى يصل الزائر الى اقسامها  ،ايضا ، عبرمراقي بارتفاع خفيف )، فان عناصرالتوسعة الانشائية ، بضمنها سطوح السقوف المائلة ، تخلو تماما من حالة استخدام زوايا قائمة ، تعبيرا عن تغاضي المصممة وانكارها " لولع " الاخرين في انتقاءهم  و < .. اكتفاءهم  >  بزاوية واحدة ووحيدة ، هي زاوية 90 درجة ، من مقياس مجموع 360  زاوية آخرى  تعرفها الهندسة الاقليديسية المألوفة ، كمـا تصرح بذلك المصمـمة جهارا ومرارا .

 

تخلق طبيعة الفضاء المصمم احساسا حافلا بالتشويش والارباك  لدى المتلقي ، مقارنة مع تصوراته المسبقة عن طبيعة حجوم الاحياز المعتادة . فلا يعرف على وجه الدقة حدود وابعاد الفضاء الذي يتحرك فيه ؛ كما ينتج  عن تماثل سماكة الجدران الحاملة مع ثخانة القواطع الفاصلة ،التى تقطع الفضاء بشكل اعتباطي ومفاجئ ، ينتج  فقدان امكانية التوجية او الدلالة في تلك الاحياز  ،الامر الذي يفضي الى الاحساس بالمتاهة ، رغم صغر تلك  الفضاءات وتواضع ابعادها . كما يترك الممر الطويل نوعا ما ، الرابط بين بهو التوسعة الجديد وفضاءات المقهى والقاعة المتعددة الاغراض ( والتى ستدعى الان " قاعة زهاء حديد "  ، اكراما للمعمارية المعروفة )  ، يترك احساسا مربكا لجهة عدم تيقن الزائر فيما اذا كان لايزال يسير داخل الحيز المصمم ام خارجه ، بسبب نوعية القرار التصميمي الجرئ الذي يجعل  جانب الممر باكمله من الاعلى وحتى الاسفل مزججا وشفافا مكتنزا باشكال القواطع ذات الخطوط المائلة .

 

لا تمنح المصممة زائر المتحف خيارات عديدة لجهة تهيئته نفسيا ً ومكانيا ً لحدث العبور من المبنى الجديد الى القديم . فالاتصال بينهما يتم بغتة ً : سريعا ومفاجئا ً ؛ لا يترك للزائر فرصة التأقلم مع تغاير اجواء فضاءات نوعية العمارتين المتناقضتين والمتجاورتين . ويذكر صدفوية  اسلوب تلاقي الجديد مع القديم في مبنى متحف " اودغوبغو " بالتصاق خرطوم المسافرين الناقل مع طائرة جاثمة . ويتعزز حضور هذا الشعور من خلال قرار المصممة مد ّ كتلة جانبية من " جسم " المبنى الجديد نحو القديم ، وتعليقها بتفريغ ما حولها من بناء ، وحتى حفر اسفل ذلك الامتداد الكتلوي ، والذي توظفه المصممة  كمدخل خدمي وخاص لقسم الخدمات الواقع في طابق التسوية .

 

ويظل ، في رأي ، الجهد المبذول في تصميم قسم الخدمات جهدا متواضعا ، ولاسيما ما يخص  فضاءات خدمات المقهى كالمطبخ وملحقاته ، التى لم يعرها التصميم اهتماما زائدا ، فجاءت حلولها غير مكتملة ،  وفضاءتها  ضيقة ومحشورة  ومتسمة  بعدم الكفاءة الوظيفية . ولا ادري ، لماذا ذكرّتني " حيرة " عامل المطبخ ، ذي الملامح شرق اوسطية الذي قابلته في الاسفل ، عند المطبخ ، اثناء تجوالي في المبنى ، واستغرابه لدوافع تصميم مثل هذه  الاحياز غير المريحة والمجحفة بحقه ، ذكرتني " بعذابات " احياز غاسل الصحون بطل رواية  < Down and Out in Paris and London   > لـ " جورج اوريل " ،  التى ترجمها سعدي يوسف بعنوان " متشردا في  باريس ولندن" ! . لم اشأ ان اخبره بان صاحب التصميم ، ربما يكون احد مواطنيه ، وتركته يتحدث مع زميله الدانمركي ، الذي افصح الاخير صراحة ً عن عدم " سعادته " للعمل مع هكذا احياز ! .

 

بيد ان انجاز التصميم الحقيقي ما فتأ يكمن في نوعية اختيار المعالجات الكتلوية الخارجية لتوسعة المتحف ، وتحديد اشكالها الملتوية الانسابية وتموضعها في الموقع المختار . وربما كان تحقيق صياغات كتلوية خارجية نادرة في لغتها المعمارية ، هو الباعث الرئيس لخلق مثل الفضاءات الداخلية التى رأيناها سابقا والمتسمة على قدر كبير من اللانظلم والتشويش الهيئاتي .

 

لا تود تكوينات كتل توسعة المتحف ،  المرئية بوضوح على خلفية المشهد الحدائقي المحيط بها ، ان تنقاد لاية مرجعية " فورماتوية " سابقة ، ذلك لانها  تتوق لتأسيس ذائقة جمالية جديدة ، ذائقة معتمدة في خصائصها  على قطيعة معرفية تامة ، لما كان يعرف بجماليات الحداثة . ومع ان القطيعة قائمة بين ما كان مألوفا وشائعا ، وما هو مرئي ؛ فان الذاكرة البصرية ما انفكت تعمل على تجميع تماثلات تصميمية ، غايتها تبيان اهمية الحدث المرئي ، والمقارنة فيما بينهما، بحيث تكون عمارة التوسعة احد طرفيها ،  والاخر مثال مستقى  من احداث معمارية بالغة الاهمية ، ان كان لجهة مناسبة ظهورها ، ام لجهة  لغتها التصميمة ذات النفس الاستثنائي الحافل  بالفرادة . وفي هذا المجال ، تُستحضر عمارة " الجناح الالماني " في معرض برشلونة الدولي  ( 1929 ) ، والمصمم من قبل المعمار " لودفيك ميس فان ديرّ رو " ، لتشكل تماثلا ابداعيا مع عمارة توسعة متحف " اودغوبغو ". فكلا المبنيين ، على تباين منطلقاتهما التصميمية ، يجسدان تجسيدا بليغا ً لانموذجين متقنيين لمقاربات معمارية ، مافتئت لغتها التكوينية تثير جدلا ونقاشا ً واسعين في الخطاب المعماري الحديث ؛ لكنهما كلاهما يعلنان بوضوح قطيعة كاملة مع ذائقة فنية سبق وان كانت ، قبل ظهورهما ، ذات تأثير ونفوذ كبيرين في الممارسة المهنية المعمارية . والفرق البسيط بينهما يكمن في ان عمارة " الجناح " لم يلحظ " ظهورها " يومئذٍ احد من النقاد المعمارين المعروفين ، كما لم يتعاطف معها جمهور المعرض العريض ؛ في حين تحظى عمارة " التوسعة " على قبول ايجابي من النقاد وعلى جمهور متعاطف ، ومبهور كثيرا بهيئات كتلها غير العادية ، هذا عدا من ان عمارة التوسعة ، وبفضل الميديا المعاصرة قد حازت على شهرة واسعة  في اوساط دانمركية عديدة ، حتى قبل ان يزور البعض  موقعها  ميدانيا ً .

 

ان اقتصار ادراك عمارة  توسعة متحف " اودغوبغو " ، وفهمها في ضوء مجموعة من قيم مألوفة ومبادئ معروفة  تنساب من نبع مرجعية جمالية محددة ، لا يمكنه لوحده  ان يعتبر امرا وافيا ً وموضوعيا ؛ الامر الذي يستدعي الاستعانة ، هذه المرة باشتراطات الاسلوب الثاني لقراءة منجز العمارة المبني ؛  ذلك لان ما نراه هو ممارسة تطبيقية فريدة تطمح لان تعكس مفاهيم فلسفية متميزة ومعاصرة في آن . وهو  ما  يبررالزامية وجوب  حضور الجانب الفكري جنبا الى جنب تراكيب العمارة المرئية ، حتى يستقيم ادراك تلك العمارة وفهم بواعث اشكالها . بمعنى آخر ، تستحث فعالية ادراك عمارة التوسعة الى الاهتمام لحالة الحضور ، الحضور المادي للمبنى ، ، كما تتطلب تلك الفعالية الانتباه الى الغياب ، المعبر عنه بمفاهيم وقيم فكرية .  وبهذا فان " زهاء " تحيلنا الى التناص " الدريداوي " ( نسبة الى جاك دريدا-  فيلسوف التفكيك ) ، فنصها المعماري المرئي لا يقتصر على الملاحظ الحاضر ، وانما يكتمل باشتراطات جمالية وفلسفية غائبة .

 

من جانب آخر ، تسعى المصممة الى تحميل مبناها نوعا من القطيعة التمايزية ، قطيعة بين مضمون المبنى كمتحف ، وبين شكله كهيئة عاكسة لذلك المضمون . اي ان ثمة نزوع للفصل بين الدال والمدلول  ، او ما اصطلح على تسميته من قبل واحد من اشهرالمعماريين المنظريين لظاهرة العمارة التفكيكية " بيتر ايزنمان Peter Eisenman  " بـ " الازاحة " Displacement؛  وهو مفهوم يتطلع نحو نظام يكفل " خلع " الناتج " المعماري من موضعه Dislocate  . لكن الوصول الى تلك الحالة " التفكيكية "  ، مرهون بفصل الاشياء ،  وعدم التعاطي معها كمقابلات ثنائية ، كالمعنى والوظيفة ، والمعنى والانشاء ، والمعنى والشكل . ويتم ذلك ، كما يقترح علينا " بيتر ايزينمان " ، منظومة فكرية تسهل حدوث الانقطاع ، من خلال ما يسمى باعادة التفكير Rethinking  ، او توظيف القراءة الخاطئة  Misreading ؛ عندها يمكن للعمارة ان تزيح معنى الوظيفية من هدفها ، او  المعنى الجمالي، اوحتى مفهوم الاحتواء الملاصق دوما لها . ولهذا فان المصممة غير معنية هنا في التوسعة ،  باستعادة " اميج " مألوف للمتحف وتقديمه للمتلقي . وطبقا لتلك الرؤى ، فان مفهوما خاصا سيطال معنى الصدفة  Chance  ، اسقاطاته التطبيقية في العمل المعماري تقتضي حضور نوع من الهندسية الاخرى ، هندسية تقبل وجود الانحرفات او التشوهات في المنجز المعماري ، وهو ما نجده مجسدا ، بشكل واضح ، في قرارات " زهاء " التصميمة ، المشكلة  للهيئة العامة لمبنى توسعة المتحف.

 

وفي الاخير ، فان مانشاهده  في توسعة متحف " اودغوبغو " من عمارة ذات اشكال خاصة غير عادية ، وربما غير مفهومة ، ما هو الا تمرين تصميمي مثابر ، يتوق لتأسيس مصفوفة قيم معمارية معينة ، ليس لها اية علاقة بالمنظومة الفكرية التى اعتدنا عليها عبر قرون من النشاط المعماري والفكري . كما ان الوجود الواقعي للمرء داخل المبنى او خارجه ، لا يعنى شيئا كثيرا لجهة فهم العمارة المرئية ، ما لم يرافق ذلك الوجود امتلاك شحنة معرفية طازجة من الافكار الحداثية ،او بالاحرى مابعد حداثية ،  تسهم في اضاءة النص  المعماري " المقروء " حيزّيا وكتلويا ً .. وجماليا ً بصورة واضحة ومتكاملة .

 

د . خالد السلطاني

معمار ، واكاديمي

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

كوبنهاغن- الدانمرك





تاريخ اﻻضافة | الاثنين 26 مايو 2014
عدد المشاهدات | 965 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا