أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115017
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3310
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن9
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
في العمران » عمارة مكتبة الاسكندرية: الحيّز ، المكان ، والزمان

عمارة مكتبة الاسكندرية: الحيّز ، المكان ، والزمان

تطمح  مختلف المباني المشيدة الى تكوين حكاياتها الخاصة ، وتزيد المباني المميّزة معماريا ً الى تلك الحكايات اساطير مضافة ، تتداخل فيها متعة التفصيل ، مع التشويق المـتأسس عن مجرى الاحداث  . بيد أن بامكان مجرد الكلام وحده ، عن محض " مواضيع " لبُنى متخيلة  ، محفورة في مكان ما من " سجل " الذاكرة المستعادة ، بامكانه ان يخلق ، هو الاخر ، قصصه الجذابة ، وبمقدوره ان يثير انتباهنا " بسردية " تاريخانية ، عن سيرورة رموز ذلك الكـلام المحكي و تداعيـاته ! .

 

 واذ قـّدر لتكوينات المبنى المميز معماريا ً ان ينزع الى تجسيد شكل " ثيمة " شيقة ، ذات نفس ميثولوجي  ؛ فان انجاز عمارة ذلك المبنى ، سيكون لا محالة بمنزلة حدث مهم وراسخ  في سفر كنوز البيئة المبنية  . وهذا هو بالذات ، ماتم تحقيقه في مشروع " مكتبة الاسكندرية الجديدة " بمصر . فاقتران التصميم المعبر مع الفكرة الاسطورية لموضوعة " الحدث " القديم ؛ هو الذي يمنح عمارة " مكتبة الاسكندرية " الجديدة تلك الاهمية الفائقة  للحيّز المصمم  ؛ ويجعلنا نولي اهتماما عاليا الى مكان ،  أو الى " روح "  مكان الموقع المصطفى ؛ كما ان ذلك الاقتران هو ، الذي ايضا ، يصنع من شأن العمارة المتحققة منجزا مثيرا ، مقارنة بما هو حاضر في المشهد المعماري العالمي الراهن . وبافتتاح المكتبة ابوابها للجمهور في 25 نيسان/ ابريل 2002 ، واجراء مراسيم افتتاحها رسميا ً في 16 تشرين الاول / أكتوبر من نفس العام  ، تكون " مكتبة الاسكندرية " قد اعلنت عن تأسيس فصول " لقصة " ممتعة ، تشي تفاصيلها الى استثنائية نادرة لتسلسل  فعاليات : المشاركة ، والفوز ، والتنفيذ لفكرة معمارية ذكية ، تميزت ايضا ً ،  بكونها جريئة ! .

 

شغل موضوع " مكتبة الاسكندرية " القديمة  ، الناس لقرون ، منذ انشائها من قبل  " البطالمة " بالقرن الثالث  قبل الميلاد ، ولحين الوقت الحاضر . ومرد هذا " الانشغال " ليس فقط ، كونها مثلت حيزا ً لخزين الذاكرة المسجلة ، والذي انتهى دوره فعليا ً وتراجيديا ً غب حريقها  الاسطوري " الغامض " ؛ ولكن ايضا ً بسبب خصوصية الافكار ، وطبيعة الامال التى اقترنت بحدث تأسيس المكتبة القديمة ؛تلك الافكار والامال ، التى مافتئت  تثير لدينا تعاطفا ً وانحيازاً كبيرين لجهة ما ارستـه " المكتبة " من  قيم أمست تقاليد موروثة ، سعت بها الى تكريس " روح العالمية ، الملتزمة بالتسامح ، والتنوع  ، والانفتاح على ثقافات الاخر ".

 

عرفت " مكتبة الاسكندرية القديمة " بهذا الاسم ، كونها انشئت في مدينة الاسكندرية في اعلى دلتا النيل ، المطلة على البحر . المدينة التى اخذت اسمها من اسم القائد اليوناني القديم " الاسكندر العظيم " ، الذي فتح مصر عام 332 ق. ب . ، ورغم ان الاسكندر ،هو الذي شخصيا ً ،  امر بتأسيس هذه المدينة بعد عام من فتح مصر <اي في 331 ق. ب .>، فانه لم يرها مطلقا ، اذ سرعان ما توجه  بعد التأسيس بحملته العسكرية  نحو الشرق ، لكنه لم يلبث ان توفي في بابل بارض مابين النهرين  سنة 323 ق. ب . ونقل جثمانه بعدئذٍ اليها ليدفن في المدينة التى ارتبط اسمها باسمه ، وكان ذلك  اثناء حكم بطليموس الثاني ( 285-246 ق. ب. ) .

 

ظلت الاسكندرية عاصمة لمصر لمدة حوالي عشرة قرون تقريبا ً ، الى ان نقل العرب العاصمة نحو الجنوب ، عندما " مصّروا "  مدينة الفسطاط  ، بالقرب من " ممفيس " عاصمة مصر الفرعونية ، وكان ذلك عندما فتحت قواتهم  الاراضي المصرية في النصف الاول من القرن السابع الميلادي . وطيلة قرون من تاريخها العريق ، حافظت الاسكندرية على نسيج سكاني اتسم بميزة  التعدد الاثني والثقافي . ولاحظ  احد الجغرافيين اليونانيين القدماء ، بان الاسكندرية قد جمعت بين مميزات الحضارتين النهرية والبحرية ، وعاش  فيها ، بالاضافة الى المصريين الذين شكلوا السواد الاعظم من سكانها ، الاغريق ، والرومان  والسوريون ،  والاقوام القادمة من بلاد وادي الرافدين كما من بلاد فارس وغيرها من البلدان البعيدة التى استقرت في المدينة وساهمت في انشطتها التجارية ، كما اغنت الجوانب الثقافية والعلمية فيها . لقد كانت ، حقا ً ، بمثابة  نقطة التقاء اساسية لسكان وثقافات ثلاثة قارات هي : افريقيا ، وآسيا واوروبا .

 

اعتبرت  " مكتبة الاسكندرية القديمة " ،  بالاضافة الى  مؤسسة  مبنى" الموزيون Mousein " < وهي كلمة اغريقية تعني معبد لالهة  الفنون والعلوم  > ، اهم  ما تركته الاسرة البطليموسية وما اورثته للاجيال اللاحقة . وقد ساهم كلا المبنيين  في تعزيزمجد الاسكندرية العلمي والثقافي ، فقد كانا مكانين مثاليين لالتقاء اساطين الفكر في العالم القديم ، وكذلك رجال الفلسفة  والشعراء . ولم تشتهر المكتبة القديمة بكونها مكانا ً لجمع المخطوطات والبرديات ، التى جمعت منها حوالي 000 700 بردية ، وهي اكبرتغطية للمواد المكتوبة في ذلك العصر ، وانما كانت ايضا مكانا لنقاش حر ومثمر  لمواضيع وقضايا متنوعة ،  ولدتها عقول خيال اولئك العلماء . وهي بهذا المعنى ، ووفق كلمات اسماعيل سراج الدين ، كانت " ترمز الى احد اكبر طموحات المغامرات الفكرية في تاريخ الانسانية ،  وأكثرها إثارة " . لقد عمل في اروقة المكتبة القديمة خيرة علماء ذلك العصر ، كما الف العديد منهم مؤلفاتهم التى ساهمت بجد في تقدم مسار الانسانية ؛ ففيها على سبيل المثال ، عمل وألف " اريسطارخوس Aristarchus    مؤلفاته الفلكية ، التى اشارات لاول مرة بان الارض تدور حول الشمس ، وهذا قبل 1800 سنة من مقولات  كوبيرنيكوس ! . وفيها كتب " اقليدس  Euclid  كتابه < مبادئ الهندسة المسطحة > ، والتى لاتزال طروحاته  تمتلك صدقية عاليه ، كما ان " ارخميدس  Archimedes   " الذي منح البشرية صيغ قوانينه المعروفة والخاصة في  توازن السوائل ،  عمل هو الاخر في اروقة المكتبة القديمة .

 

عندما تقرر اعادة بناء مبنى " مكتبة الاسكندرية " ، تلبية لفكرة طموحة ، طرحت في منتصف السبعينات ، وما لبثت ان تحققت تصميميا ً في نهاية الثمانينات ، ارتؤي ان يكون المنهاج التصميمي للمكتبة الجديدة ، متضمنا ً افكار لمقاربات تنشد الى استرجاع قيم وروح سابقتها ، التى شيدت  قبل اكثر من نيف وثلاثة وعشرين قرنا ً ، والمتمثلة في قيم الانفتاح والحوار ، والعقلانية التى من خلالها يتم تشجيع ضروب البحث والاستكشاف .

 

ويحدد "اسماعيل  سراج الدين " – وهو مدير المكتبة الجديدة ، واحد النقاد المعماريين العرب المعروفين ، اربعة اهداف يراها اساسية تعمل كاعتبارات  لتشكيل الخلفية المضمونية للحل التصميمي للمبنى الجديد، وهي ان تكون  المكتبة :

  • نافذة يطل منها العالم على مصر ؛
  • نافذة تطل منها مصر على حوض البحر المتوسط ، وعلى العلم ككل ؛
  • مركز رائد للسيطرة على الثورة الرقمية ؛
  • مركز مزدهر للتعلم وللتناظر وقطب حوار فيما بين الثقافات والحضارات .

 

 

 

يعيد فوز  المكتب المعماري " سنوهيتا Snøhetta    " النرويجي  في المباراة الدولية التى نظمها < أتحاد المعماريين الدولي > بالاشتراك مع منظمة " اليونسكو " ، وبطلب من الحكومة المصرية ، لاعداد تصاميم مبنى " مكتبة الاسكندرية " الجديدة ، يعيد الى الذاكرة الطفرات المثيرة ، والاختراقات المفاجئة ، التى شهدها سجل المبارات الدولية السابقة، مثل فوز "ايفان ليانيدوف"الروسي " في تصميمه لـ < معهد لينين > عام 1925 ، او فوز يورن اوتزون  " الدانمركي مصمم " مبنى اوبرا سدني " عام 1957 ، او نجاح " رنزو بيانو مع ريجارد روجيرز" في تصاميمهما  < مركز بومبيدو للثقافة بباريس > عام 1971 ، او الفوز المدوي لـ  " زهاء حديد " لتصميم < نادي على قمة جبل > في هونغ كونغ عام 1981 . فمعاريو " مكتب سنوهيتا ´الثلاث الرئيسيون ، كانوا  ، كما سابقيهم في مجال " الطفرات التاريخية " ، شبابا مغمورين ، وغير معروفين لدى الاوساط المعمارية العالمية . لكن الفكرة التصميمية التى اتوا بها لمشروع " مكتبة الاسكندرية " ، وجرأتها ، و " تماميـمية " تطابقها المثير مع مفردات المنهاج التصميمي ، فضلا عن " فورماتها" الشكلية غير المسبوقة ، في المباراة التى نظمت عام 1989 ، والتى اشترك فيها حوالي( 700 ) مشروع  ، من( 52 ) بلدا ً  ؛ كانت لدرجة مقنعة وموفقة وذكية .. وملائمة ايضا ً ، بحيث ان لجنة التحكيم المتكونة من معماريين عالميين مرموقين ،  لم تبذل كثير عناء في تحديد اسم " الفائز الاول "   بتلك المباراة الدولية المهمة .

 

بعد اعلان نتائج المسابقة ، اتجهت الانظار نحو " اوسلو " ، عاصمة النرويج ، حيث مقر المكتب المعماري ، الحائز على المرتبة الاولي في تلك المباراة الدولية . وفجأة ، وبسرعة مذهلة امست اسماء المعماريين النمساوي " كريستوف كابلار Christoph Kapeller   " والنرويجي " كيتيل  تورسين  Kjetil  Thorsen  " و  الامريكي " كريغ ديكيرز Craig Dykers  " مشاركي ومصممي مكتب " سنوهيتا " المعماري  –  امست اسمائهم مشهورة في الصحافة المتخصصة ، ومعروفة لدى اوساط مهنـة عالـمية . وتبين ، لاحقا ، بانهم نظموا فريقهم التصميمي على عجل في مدينة " لوس – انجليس " بالولايات المتحدة  – مقر سكن وعمل اثنين منهم  ، وقاموا بتأجير شقة في عمارة منعزلة ، في تلك المدينة المطلة على المحيط الباسفيكي ، هي الارخص التى  بمقدورهم تأجيرها ،  لتكون بمثابة " استديو  تصميمي " . وبعد شهرين من العمل المكثف والجدي ، وبعد ان قاموا بعدة زيارات بحثية الى الصحراء خارج مدينة " لوس – انجليس " ؛ ارسلوا تصاميمهم باسم مكتب " سنوهيتا " الاوسلوي ، حيث كان زميلهم " تورسين " قد اسس سابقا ً هناك ، في العاصمة  النرويجية ، مكتبا متواضعا ً بهذا الاسم ، تيمناً باسم < قمة جبل > ،  يقع في شمال النرويج .

 

تضمن المنهاج المحتوياتي لمبنى الاسكندرية الجديدة ، فضاءات متنوعة ، كفيلة بتنظيم وتخديم الاهداف التى من اجلها تم ّ الشروع  ببناء " مكتبة الاسكندرية " ، واعادة افكار وقيم  ما اورثه ذلك " الحلم  " الذي ارتبط بتأسيس مكتبة الاسكندرية القديمة . من هنا ينبغي فهم تنوع محتوايات المكتبة ، وادراك رسالتها كونها تخرج عن نطاق مفهوم " مكتبة عادية " ، لتضحى اكثر من كونها مكتبة بكثير ، انها بجد " مجمع ثقافة متشعب " تشمل على ما يلي :

  • خزين من الكتب  يصل سعته ما بين 4 و8 ملايين مجلد ؛
  • مركز اتصال بالانتيرنيت ؛
  • ثلاثة متاحف ؛
  • خمس مؤسسات بحوث ؛
  • قبة فلكية ؛
  • اربع قاعات عرض لوحات فنية ؛
  • مركز مؤتمرات يسع 3000 شخص .

 

حاول التصميم المقترح من مكتب " سنوهيتا " ، ان يؤسس له مقاربة تصميمية تحرص في معالجاتها الفضائية الى تجميع مكثف لمجمل الانشطة المتشابهة لمتطلبات المبنى في احياز محددة ، وتفريقها عن الاحياز الاخرى ذات الوظائف المتباينة ؛ مع الحرص الشديد على ان يكون معظم تلك الفضاءات تحت غطاء مشترك ، يكون اساس التصميم و " ضربته " التكوينية القوية  . ولهذا فان الحل التكويني المقدم من مكتب " سنوهيتا " والخاص بمشروع " مكتبة الاسكنرية " الجديدة ، اشتمل على مفردة اساسية لكتلة اسطوانية ذات قطع مائل ، وفيها تتجمع مختلف فعاليات المشروع ، مع مبنى مرصد فلكي ، موقع خارج الكتلة الاساسية ، ومنفصل عنها . وثمة مركز لقاعات اجتماع  ، موجود اصلا ً في الموقع ، شيد في سنة 1982 ، واستخدمته الجامعة العربية كثيرا لعقد مؤتمراتها ،  تم ربطه فضائيا ً مع كتلتي المشروع الاخرتين ، اللتان جرى وصلهما بقنطرة مصنوعة  من الفولاذ والزجاج ، تخترق اسطوانة الكتلة الرئيسية من جانبها ، لتعبر الى الجهة الجنوبية من موقع المشروع ، نحو مجمع جامعة الاسكندرية . وهذه القنطرة الخفيفة والشفيفة ، قدر لها ان تربط مكونات المشروع جميعا ً ربطا ً فضائيا ً محكما ً يزيده تأثيرا ً نوعية الوجود الفيزياوي لممر القنطرة المسطح ، ومؤشرات مساندها الفرتكالية الدقيقة .

 

تم " نشر " مكونات المشروع جميعا ً في موقع مكشوف ، اتسم على حضور بين ّ على فضاءات خالية ، بضمنها ساحة مكشوفة، موقعة في الجانب الغربي من مبنى المكتبة الرئيس، دعيت بـ " ميدان الحضارات " ، ويؤدي وجود تلك الفضاءات المكشوفة على حصر التركيز البصري وتوجيهه نحو كتلة المشروع الاساسية ، بغية تبيان اهميتها التكوينية . كما وقع الاختيار لان يكون مكان المكتبة القديم موقعا ً لانشاء المكتبة الجديدة ، وبهذا القرار فثمة وصل تاريخي يربط المبنيين ، الامر الذي أضاف بعدا رمزيا آخرا الى أهمية الموقع المختار،  ومنحه قيمة اثارية مفعمة بمتعة دراما " الحدث " التاريخي ! .

 

سعى مصممو مكتبة الاسكندرية الجديدة ، وكما اشير  سابقا ً ، ان تكون مجمل الانشطة المتنوعة لها ، ضمن مجال مفردة تصميمية اساسية ، وهذه المفردة عبارة عن شكل دائري بسيط ، يصل قطره الى < 160 > مترا ً ، ذات سقف منحدر باتجاه البحر ، اي باتجاه الشمال . وتتوزع  فضاءات المكتبة المتنوعة داخل هذه الهيئة الاسطوانية ، التى تشمل عدة مستويات بعمق  15.8 مترا تحت الارض ، وثمة  مستويات اخرى  فوقها بارتفاع 37 مترا ً .

 

تشكل القاعة الرئيسية فضاءا مفتوحا ً موحدا ً بسبعة مستويات على شكل شرفات . ويقع قسم المطالعة فيها بحافة كل شرفة ، وبجانبه مباشرةً ،رفوف الكتب بنظام  استعارة مفتوح . ويعطي هذا الاسلوب في تخطيط  وتصميم المكتبات  لقارئ المكتبة القدرة على  استخدام سريع للكتب ، كما يمنحه امكانية توليد فكرة متكاملة عن مكان موقعه في القاعة الفسيحة .

 

تؤمن مواضيع مستويات المكتبة السبعة  داخل الشكل الاسطواني ، لزائر المكتبة ، الاطلاع على صنوف المعرفة المتنوعة ؛  وتبدأ من المستوى الاول  الواقع في طابق التسوية الرابع ، حيث نجد ما نسميه " جذور المعرفة " ، وهي الفلسفة والتاريخ والجغرافيا .. ؛ ثم المستوى الثاني ، / طابق التسوية الثالث والمخصص للاداب والفنون ، وفي المستوى الثالث – طابق التسوية الثاني ، الفنون والثقافة ، وفي المستوى الرابع – التسوية الاول :  المراجع العامة والمعارض ؛ وتوجد ايضا هنا مكتبة ايداع مطبوعات الامم المتحدة بالاضافة الى العديد من المعارض ومتحفين هما الاثار والمخطوطات ، اما المتحف الثالث والخاص بتاريخ العلوم فيقع اسفل القبة السماوية ؛  وفي المستوى الخامس – عند مدخل المكتبة من جهة ميدان الحضارات  ، فهناك  أرشيف الانترنت ، وعلم الاجتماع والقانون ؛ وخصص المستوى السادس الى العلوم الطبيعية ، وفي هذا المستوى ، وعلى الناحية الاخرى من المدخل الرئيسي ، يوجد مدخل المراكز البحثية ، والمكتبات المتخصصة للنشء والطفل ، وقاعة مخصصة لجمعيات اصدقاء المكتبة حول العالم ؛ اما المستوى السابع فهو مخصص للتقنيات الحديثة . وفوق تلك المستويات السبعة ، توجد قاعتان للندوات متصلة بالجزء الاداري والبحثي بالمكتبة من خلال قنطرتين معلقتين .

 

عندما يشاهد المرء " القرص " المتسع ، المائل ، الذي يبدو وكأنه " ينهض " من باطن الارض مباشرة ، يحسب ان ثمة وظائف متباينة " تجري " داخله . فالفضاء الهائل الفسيح ، الذي يخلقه ذلك القرص " المُـثقب " ، الذي يصل قطره الى نحو 160 مترا ً ؛ لابد وان يكون متنوعا ً ومتعددا ً في آن . وهذه الرؤيا التى يستحضرها مشاهد  سقف مبنى المكتبة  الجديدة ، هي في الواقع انعكاس لسياق طبائع الابنية الاسلامية العظمى ، ومجاراة له ؛  ذلك السياق التصميمي المعتاد والمتعارف عليه في " ادبيات " البيئة المبنية المحلية ؛  اذ أن  من " المألوفية " بمكان ،  اللجوء تكوينيا ًًًً الى ممارسة توظيف اغطية موحدة ومتشابة  لفعاليات وظائفية متنوعة ، الامر الذي نجم عنه ظهور وبروز قيمة تصميمية طبعت تكوينات المباني الاسلامية بطابع خاص ؛  بمعنى اخر ، ان " الشكل " هنا ، < لا > يتبـع  " المضمون " ؛ بل ان القيمة التصميمية المرتجاة ،في مثل هذه البيئات ،  والشائعة ايضا ً ، هي اقرب لاستيلاد احساس بثبوتية " الفورم " المختلق  مع تنوع وظائف الاحيازالمصممة . ويتوق معمار مكتبة الاسكندرية الجديدة في لجوئه لهذا التوظيف الموحد للسقف ، شأنه شأن معماريين عالميين مرموقين اشتغلوا كثيرا على هذه " الثيمة " ، وشاهدنا ، في السابق ، محاولات تصميمية مبدعة لهم كتصميم مقترح " لقاعة اجتماعات كبرى " في شيكاغو ( 1953) للمعمار" ميس فان دير رو ّ " < والتى لم تنفذ > ، لكن فكرتها التصميمية سرعان ما تحققت في مبنى متحف الفنون ببرلين ، المانيا ( 1962-8 ) للمعمار ذاته ؛ وكذلك مشروع  " لو كوربوزيه " لمبنى البرلمان الاقليمي في مدينة " جانديكار " بالهند ، اوائل الخمسينات من القرن الماضي ، يتوق المعمار ، اذن ، الى الاحتفاظ بالاهمية  المؤولة لهذا المبدأ  في مبناه ، لزيادة ترسيخ مفهوم " روح المكان " Genus Loci، الذي ينشد بقوة ، الى ان يكون حاضرا ً في تصميمه المقترح !  

 

يكاد  يخلو مبنى مكتبة الاسكندرية من اي  وجود للواجهات ، الواجهات بمفهومها التصميمي – الفضائي ، تلك العناصر المألوفة في المباني العادية ؛ ذلك لان القرار التصميمي الساعي الى  جعل المبنى " يغوص " في جانب منه في " بطن " الارض ، ويرتفع عاليا عنها في جانب آخر ، وكذلك حضور النزعة التشكيلية المتماثلة التى تسم اسلوب معالجات جدران محيط الاسطوانة ذات القطع المستدق ، تجعل المبنى وكأنه يخفي بتعمد تلك العناصر الملازمة لفعل الصياغات التصميمية للمبانى العادية . بيد ان المعمار يستعيض عن هذا " النقص " الحاصل ، بجعل سقف المبنى المائل ، الذي يرى من شارع الكورنيش الملاصق ، او من البحر  المجاور ، والمجزأ وفق تقسيمات مصبعية Grids  لوحدة قياسية Module   ، ليكون بمثابة " واجهة " المبنى الرئيسية، ومظهر المكتبة العام ؛  ولكي يضفي  المصمم بعدا ً جماليا ً مؤثرا ً للسقف- الواجهة ، فانه يشطر اشكال تصبيعات الشبكة المتصالبة في وترها ، ويخسف جوانب منها لتوجيه وتحديد  مصدر الانارة الطبيعية  نحو الشمال قصرا ، وذلك لتجنب مرور اشعة شمسية غير مرغوبة ، تفسد على المصمم توقه المبرر في جعل انارة فضاء قاعة المطلعة الكبرى ، الواقعة تحت السقف مباشرة ،  ذات انارة " مروضة " وبمعايير محددة مسبقا ً تفي بمتطلبات واشتراطات  المطالعة الجيدة  . وتجدر الاشارة بان تحديد اتجاهات  الواح التسقيف المشكلة لسطح المكتبة ، تمّ حسابها بدقة  بالحاسوب " الكومبيوتر " في مراحل التصميم ، من اجل السماح لدخول مستويات مطلوبة ومقننة من الضياء الطبيعي فقط ، ومن دون الاباحة  لمرور اشعة الشمس المباشرة .

 

استفاد المعمار كثيرا من نتائج عملية المعالجة الكتلوية  الناجمة عن اختلاف مستويات اجزاء التصبيعة في الشبكة المتسامتة لسقف المبنى ،وما نجم عنها من حضور بليغ لخاصية  الظل والنور ، والتى تمكن المعمار ان يوظفها  بمهارة ، لينأي  بسطوح  " الواجهة الخامسة " الفسيحة  والمنسية عادة ، في المباني التقليدية ، ينأى  بها بعيدا ً عن الاحساس برتابة التكرار المتوقع جراء  التماثل الشكلي لهيئات  تصبيعات الشبكة المتسامتة فيها . وقد اضافت تنويعات المعالجة التصميمية  المختلفة في اجزاء من سطح  سقف المبنى  كوجود الافنية المفتوحة ،الخاصة بالقسم الاداري ، او ترك بعض تلك الوحدات احيانا ً من دون معالجة تذكر ، اضافت بعدا ً جماليا ً مؤثرا ً لجهة فنية  " الواجهة " المصممة ، التى تذكرنا تأثيرات ثراء سطحها التشكيلي ، بتأثيرات خاصية "الظل والنور" عالية الفنية ، تلك الخاصية التصميمية المفعمة بالحيوية ، والرائجة ، عادة ، في تكوينات الابنية العربية التقليدية . واستذكار هذه الخاصية التصميمية هنا ، هو استذكار مؤثر ، وفطن ، و... ملائم ايضا ً،  لجهة تقصي روابط متنوعة مع المكان ،وابداء ايماءة احترام مع ثقافته المبنية الحصيفة . تجدر الاشارة الى ان هذه الخاصية التصميمية  ذاتها  قد شاهدنا تأويلات معاصرة لها ، في مبانٍ ممّيزة ، كتلك التى طبعت تكوينات مبنى " معهد العالم العربي " في باريس ،( 1987)  للمعمار" جان نوفيل "  ، وغيرها من المباني الحديثة ؛ لكننا هنا ، في مكتبة  الاسكندرية ، نشهد تنويعات مبدعة اخرى ،  لتلك " الموضوعة " ذاتها ،   المحببة الى قلب المعمار الاقليمي !

 

يعد حيز قاعة المطالعة الرئيسية العنصر الاهم في مكونات الحل التصميمي ، ليس فقط لكونه الاوسع   مقاسا ً والاكثررحابة ، بل ولانه الحيز الذي يعطى حيثية مقنعة  لمعنى المبنى ككل، ويجسد وظيفته الاساسية . يصل الزائر الى قاعة المطالعة ، بعد ان يجتاز بهو المدخل ، ذا الارتفاع الذي يرتقي الى ثلاثة طوابق ، عابرا ًقسم التسجيل ، ليرى نفسه في المنسوب الخامس من مناسيب المكتبة المتعددة المستويات .

 

واذ يصل الى الداخل ، سيثير دهشته ، حتما ً ، اسلوب التوزيع الفراغي للقاعة، وطريقة انارة هذا الفضاء الفسيح ، الذي يشكل بمجموعه مفردة قاعة المطالعة الكبرى لمكتبة الاسكندرية الجديدة ، وسينجلي امامه فضاءا فسيحا وواسعا ً ، تصل مساحته الى اكثر من 000 20 مترا مربعا ، وهو ما يعتبر من اكبر المساحات  المغلقة في مباني الشرق الاوسط  ،اذا استثنينا فضاءات المساجد الجامعة التاريخية ، كما انه يعتبر ضمن اوسع قاعات المكتبات في العالم  . وهذا الفضاء مقسم الى سبعة مستويات ، كما اشير سابقا ً ، تنتشر فيه اعمدة دقيقة ، يصل عددها الى نحو  90  عمودا ً ،  يتحدد مكانها طبقا ً للنظام الصارم  لشبكة الوحدة القياسية Module  التى تقدر ابعادها بـ 9.6× 14.4 مترا ً، وهو مقياس يلائم ابعاده  نظام تخزين المكتبات الموحد . تتألف الاعمدة من بدن خرساني ، يعلوه تاج بهيئة هرمية خاصة . وهذه التيجان تسند جسور متقاطعة ترتكز عليها وحدات الواح سقف القاعة المائل بدرجة ميل تصل الى(16.08) درجة باتجاه الشمال . وتنطوي الاعمدة المنتشرة في قاعة المطالعة على ابعاد مختلفة ، يتراوح اطوالها بين < 4 > امتار في الجزء الواطئ  و < 6 > امتار في القسم العالي .

 

يدرك معمار المكتبة جيدا ً ، بان اهمية مفردة حّيز قاعة المطالعة الرئيسية ، هي اهمية غير عادية ، لها حضورها الاستثنائي مقارنة بمفردات التصميم الاخرى . كما انه يعي ّ ايضا ً ، بان نوعية المقاربة التكوينية المصطفاة ، والتى سيتعاطى بها لجهة تصميم هذا الحيّـز ، ستكرس لاحقا ً صورة Image  المبنى المقترح ، وتسهم في ترسيخ هيئته المميزة في الذاكرة البصرية .  وتأسيسا ً على ذلك  فانه ينزع الى جعل حضور " الانشاء " ، او ما يعرف بـ " التكتونية " Tectonic   في " انتيرير " الحيز المصمم ، ليكون وقع حضوره ، حضورا ً بليغا ً ، يشي الى عقلانية المشهد المرئي، رغم غرائبية حال وسع الفضاء المحصور ، واسلوب انارته " الملونة " ، تلك العقلانية التى توحي بها اعمال العناصر التركيبية المنتشرة في القاعة ونظامها البسيط المعتمد على الجسور الرابطة الافقية ، والمساند العمودية  الحاملة لها.

 

تجزأ الاعمدة الخرسانية الرشيقة  فضاء القاعة الرحيب ، وتسهل ادراكه بصريا ً . ويتغير منظر هذه الاعمدة ، ونظام ترتيب موقعها ، وشكلها باستمرار ، كلما جال المشاهد ببصره نحوها ، او تقصد الحركة من مكان الى آخر وسط فضاء القاعة ، ويسهم التغيير المستمر في اكساب المنظر  المرئي حيوية ظاهرة ، يزيدها تأثيرا ً انتشار عناصر اثاث التصميم الداخلي في القاعة ،  من مناضد  قراءة ومصاطب جلوس ، ورفوف كتب ، فضلا على عامل وجود القراء انفسهم وحركتهم الدائمة .

 

لا يمكن للمرء وهو يشاهد اسلوب  فتحات الانارة السقفية ، في قاعة مكتبة الاسكندرية  الجديدة ، الا وان يستحضر ولع " الفار آلتو " – المعمار الفنلندي المعروف ، في توظيفاته العديدة لهذه المفردة التصميمية . وبواعث هذا الاستحضار الفكري ، هنا ، تمتلك مبرراتها ، في الاقل لسببين ، اولهما : قوة وحضور الارث " الآلتوي "  التصميمي  ، وتأثيراته على عموم عمارة اسكندينافيا ، وبضمنها بالطبع النرويج ،   ذلك الارث الذي ما فتأ المعماريون الاسكندينافيون يرون فيه نبعا ً غنيا ً من الافكار القابلة للمحاكاة والتأويل ؛ والسبب الثاني  يرجع الى التماثل الموضوعي لاستخدام هذه المفردة تصميميا ً . اذ من المعروف بان " آلتو " استخدم مفردة الانارة السقفية لاول مرة وبمهارة ، في" مكتبة  فيبوري " Viipuri   ( 1927-35 ) الشهيرة ، ثم كرر استخدامها في مشاريع عديدة بعد ذلك ، سواء كانت منفذة اوغير منفذة . اي اننا ازاء فعالية " تناصية " مثمرة ، تدلل بدءاً ، على مرجعية القرار التصميمي لمعماريي مكتب " سنوهيتا " الشباب ، وتفسر لنا تاليا ً ،أهمية  قرار توظيف مفردة الانارة السقفية والارتقاء بها ،  لتكون حدثا ً تصميميا اساسيا  في اجراءات  تنظيم حيز قاعة المطالعة الرئيسية في المكتبة الجديدة .

 

وربما قادت تداعيات  رؤية المشهد المرئي ، الى استحضارات آخرى ، يدلنا على بعض منها  ، الناقد المعماري " ريجارد انغيرسول " في مقاله الممتع والذكي عن " مكتبة الاسكندرية " المنشور في مجلة " عمارة " < انظر Architecture ,October 2001,pp 101-103,122  > . فيذكرنا بان هيئة قاعة المكتبة الفسيحة ، واعمدتها الرشيقة المنتشرة في فضاءها المغلق ، تستدعي الى الذاكرة  هيئة القاعة الادارية " لشركة جونسون للشمع " (1936-37 ) في مدينة راسين ولاية وسكانسون بالولايات المتحدة ، للمعمار " فرنك لويد رايت "  ، وفعلا  فان حيز كلتا القاعتين المغلقتين ، وسيقان اعمدتهما النحيلة ، ذات نظام  تيجان شبه متماثل ، تبدوان وكأنهما تنتميان الى  مرجعية واحدة ومحددة .

 

واستطرادا ً لهذا الشأن ، يمكن القول ان نظام توزيع اعمدة قاعة مكتبة الاسكندرية وفضاءها الفسيح ، يعيد الى الذاكرة ، ( في الاقل الى ذاكرتنا الشرقية  ) ، تماثلات " غابة " اعمدة حرم مسجد قرطبة الشهير ( 786- 987 ) ، وفضاءه الغاص بالعناصر الانشائية من اعمدة وتقاطعات معقدة  لعقود ترفع سطح  التسقيف . وتنشد مثل هذه التماثلات الى تفعيل حضور خلفية لروابط اتصال مع انساق الثقافة المبنية المحلية .

 

وعلى العموم ، فان مناسبة رؤية حيز قاعة المطالعة في المكتبة ، وادراك استثنائية الفضاء الفسيح ، والوعي بتفرده التصميمي ، ما انفكت تمثل بالنسبة الى المتلقي " تمرينا ً " فكريا ً منعشا ً ومنشطا ً ، تمرين حافل بفيض من صور متخيلة ، مستلة من خزين الذاكرة البصرية ، يتلائم حضورها وتتابعها الذهني مع نوعية ، وخصوصية ، وتعدد ثقافات مستخدمي الحيز الفضائي الممّيز ، ومشاهدي ذلك الحدث التصميمي البارع !

 

ولئن اتاح حيز قاعة المطالعة الرئيسية لزوار مكتبة الاسكندرية ، امكانية انتاج صورافتراضية  ، وجعل مشاهديه منهمكين  في حالة استيلاد  خواطر لرموز مبان متنوعة ، تعود هيئاتها الى  مرجعيات ثقافية مختلفة ، فان هذا يدلل على مستوى الاجتهاد التصميمي الحصيف ، المبذول في تصميم ذلك الحيّـز ؛ الذي يتبدى للناظر بمرأى بونارامي نادر ، تفتقده غالبية قاعات المطالعة في ابنية المكتبات الاخرى . وليس من غير دلالة ، ان يتذكر المرء ، وهو يجول ببصره ناظرا ً الى فخامة الحيز المبتدع امامه لقاعة المطالعة في مكتبة الاسكندرية الجديدة ، ان يتذكر مقولة " لو كوربوزيه " المجنحة  ، بان " العمارة ، ماهي الا فضاء محصور ! " ، فضاء ، بمقدوره  ولوحده ، ان يخلق عمارة : عمارة متميزة .

 

          وكلمة اخرى  مضافة ، يمكن ان تقال بحق حدث " حيّز " قاعة  مطالعة المكتبة ، من ان حضور ذلك الحيز الممّّيز في الحل التصميمي ، اكسب المكتبة ذاتها قيمة معمارية فريدة ، قيمة تؤسس للانابة  عن مجمل المعنى الرمزي  للمبنى ، واختزاله في هذه المفردة التكوينية المغلقة . وهو بهذا المعنى، يقع ضمن مبان ٍ قليلة في الموروث البنائي العالمي ، التى كرسّت حضورها في تنويعات الخطاب التصميمي ، من خلال " فورم " فضاءتها الداخلية ؛ وبالتالي ، فهي هنا ، قريبة من تصوراتنا عن " عمارة " مسجد قرطبة الكبير ( الذي ذكر توا ً ) ، التى نستحضرها حصرا عبر صورة فضاءه الداخلي ، والحال ذاته فيما يخص محاولة  استذكار مبنى " وزارة الخارجية السعودية " بالرياض (1981-84 ) ، للمعمار" هنينغ لارسن " ، التى نسارع في تذكر فضاءته الداخلية المعبرة ، مقارنة بالاسلوب  الحيادي  للمعالجة الخارجية .

 

لكن معماري مكتبة الاسكندرية الجديدة  ، يخطون خطوة مضافة في هذا المجال ، فهم من ناحية يؤسسون لمقترب تصميمي معني في رفع شأن  قيمة الفضاء الداخلي للمكتبة ، ومن ناحية اخرى ، فان نوعية مقتربهم ذاته ، يظل يعمل ، ايضا ً لجهة ايلاء اهتمام جدي للمعالجات الخارجية . وما التشديد على مفردة  " الواجهة الخامسة " : واجهة السطح ، التى اشرنا الى خصائصها التصميمية سابقا ً ، سوى محاولة لافصاح المزايا المزدوجة للمسلك التصميمي الخاص بمعماري مكتب " سنوهيتا " ؛ ذلك المسلك الذي نعده ، ونقيّمه كأضافة هامة ورصينة في مجمل الخطاب الحداثي المعماري العالمي .

 

يستثمر مصمم  مبنى المكتبة ، سطح الجدار ، ذا الارتفاع المتباين ، الذي  يلف كتلة المنشأ الرئيسة من جميع الجهات تقريبا ، عدا الجهة الشمالية حيث يغوص قسم من تلك الكتلة ، هنا ،  داخل الارض ، يستثمره  كوسيلة مضافة ، مهمتها زيادة اثراء لغة عمارة المبنى تشكيليا ً، والتذكير ، مرة اخرى ، باهمية عامل اتحاد اجناس الفنون المتنوعة ، كتقليد رفيع ، سبق وان كان احد مكونات الحل التصميمي لعمارة مبنى المكتبة القديمة . وضمن تشكيلات فنية ، اعدها فريق من النحاتيين النروجيين برئاسة " يورون سانيس " وقوامها " اشارات " يصل عددها الى حوالي 6300 حرف ، وجملة ، ورمز تعود الى لغات العالم الحديثة والقديمة ،  منقوشة  بـطريقة النحت الغائر، والناتئ  على اربع آلاف قطعة سميكة من الغرانيت المستخرج في اسوان ، يضحى سطح ذلك الجدارالطويل  ، الخالي من اية فتحات فيه  ، ( فاضاءة الحيز الداخلي تتم ، كما هو معلوم ، عبر الانارة السقفية )؛ يضحى في ايدي المصممين الكفوءين ، مؤهلا  ليكون " ملصقا " < بوسترا ً > فنيا ً ، يشي الى وظيفة المبنى الاساسية ، ورمزها االتشكيلي !

 

قد تكون فكرة توظيف فن " الجداريات " المستخدمة في مكتبة الاسكندرية ، متساوقة مع فكرة سابقة ، كان قد طرحها المعمارييون المكسيكيون ، بوضوح ، اثناء اعدادهم تصاميم " جامعة نيومكسيكو " بالعاصمة المكسيكية ، في مطلع الخمسينات ، ونفذها فنان المكسيك المشهور " ديفيد سيكايروس "  على سطوح جدران مكتبة الجامعة ايضا ً ؛ لكننا نزعم بان مصممي مكتبة الاسكندرية الجديدة  قد احسنوا اعادة قراءة تلك التجربة الرائعة ، واجادوا كذلك ، تفسير  الموروث المحلي في هذا المجال ، مقدمين لنا حلا معماريا ً ملائما ً ومعبرا ً ، يشدد اسلوب انجازه الفني ، من ناحية  على طبيعة فكرة المكتبة ، ويؤكد في جانب آخر على  حضور المكان  ويرمز الى هويته ! .

 

يسعى معمار مكتبة الاسكندرية الجديدة ، ان يكون حال " فورم " مبناه المقترح ، موحيا ً لكشوفات تكوينية ، يمارس اكتشافها  المتلقي نفسه . ويغدو التشديد على اكتناف ذلك " الفورم " لقيم تكوينية محددة ، هو بمثابة محض إستجابة لذلك النزوع التصميمي المفضل لديه . من هنا يمكن ، مثلا ً ،  ادراك خلفية القرار التصميمي بازاحة جزء من كتلة المكتبة  ، المطلّـة على " ميدان الحضارات " ، واسقاطها تماما ً من الهيئة الاسطوانية المشكله لها . ورغم منطقية مسوغات هذا القرار ، وهو الرغبة في توقيع المدخل الرئيس بمكان مناسب  ، بعيدا ً عن الاشكاليات الناجمة عن محاولات اختراق مباشر لسطح الجدار الملتوي ، الذي يلف الكتلة الرئيسية للمكتبة ؛ فان قرارالازاحة  ثم ، الاسقاط بعد ذلك ، المبرر وظيفيا ً ، كان يعمل ضمن اشتراطات بنود " اجندة " المعمارالمفضلة  ، ويكشف ، في الوقت عينه ، عن تجليات قيمه التكوينية المميّزة ؛ ذلك لان تبعات ذلك القرار ، افضت الى الاخلال بالنقاء الكتلوي للشكل الاسطواني ، ويتوجب الان على  المتلقي المشاركة في " التصميم " ذهنيا ً لاستعادة " فورم " الجزء المزاح . بمعنى آخر ، يقدم لنا المعمار عرضا غير مألوف ، وغير متوقع ، بالمرة ، ليشركنا ، نحن متلقي مبناه ، في فعالية ابداعية ، كانت لوقت قريب ، حكرا ً على طبقة المصممين !  " فغياب " الاقسام المزاحة المتقصد ، ينشط " حضور " المقترحات التصميمية الافتراضية  لدى المتلقي ، ويكرس رغبة المعمار في جعل الاخير منهمكا ً في ممارسة  متعة " التصميم  " ! .  

 

من جانب آخر ، لا يود المعمار الرضوخ تلقائياً لاغواء التبسيط الناجم عن تكرار وتشابه معالجات الوحدة القياسية التى تبدو ظاهرة في شبكة التقسيمات المتسامتة ، المكونة الاساسية لواجهة المبنى الرئيس : واجهة السطح . اذ يحرص المصمم ان يكون ايقاع تلك الوحدات ، واسلوب معالجاتها مختلفا ً ومعقدا ً في آن . ؛ ليتسنى له الحصول على مزايا تبعات ظلال مكوّن < الاختلافات الطفيفة  > التي تدعى بـ " Nuance " ، ؛ ذلك المكوّن التصميمي الذي يرفع المعمار من شأنه عاليا ً ، ويطمح ان تكون تأثيراته متواجدة ،ً وبقوة ، في اسلوب معالجات عناصر واجهته السقفية  . ولهذا ، فان مفردات تلك الواجهة قد تبدو  متماثلة ظاهريا ً ، لكنها في الحقيقة غير ذلك ، انها مختلفة ، ومتباينة ، ومتغيرة . اي انها ، باختصار شديد ، تنشد لان تتصادى مع مفهوم " التنوع في الوحدة " ، المفهوم الاثير ، والحاضر دوما ً في سياق ثقافة الموروث البنائي المحلي

 

وايا ً يكن الامر ، فان سلسلة التماثلات الذهنية التى يستحضرها المرء عند رؤية الفعالية التصميمية المرئية ، يجعل من  عمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة لان تكون حدثا ً تصميما ً مميزا ومؤثرا ً في مجمل الخطاب المعماري العالمي . كما ان هذا الامر يدلل على ان عملية الخلق المعماري الحداثي ، او بالاحرى  مابعدالحداثي ، هي في الواقع عملية مضنية ومعقدة ، تتطلب فيما تتطلب ، الالمام العميق في معرفة وادراك انجازات الحضارات المختلفة ، والمقدرة  الفطنة في التعاطي مع فعاليات التأويل ، فضلا على استثمار معطيات الحاضر،والاشتغال على قيم تصميمية مبتكرة  والتركيز على تطلعاتها المستقبلية  ؛ وليس كما يروجّ ، من ان نتاج عمارة مابعد الحداثة  ، ما هو الا محض قطيعة ، و قطيعة مطلقة مع  كل ما انتجته الانسانية سابقا ً . في حين يبين  منجز عمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة ، كمجز معماري ما بعد حداثي بامتياز ، من ان " القطيعة " التى يتردد ذكرها  دوما في ادبيات النقد الخالي من الموضوعية ، هي ليس سوى ،  قطيعة " ابستمولوجية " مع كل ماهو عادي ، ومبتذل ،   وعابر في المشهد البنائي ! .

 

ولئن عبر منجزعمارة مكتبة الاسكندرية الجديدة ، عن حضوره الهام ضمن منجزات  العمارة العالمية المعاصرة  ، فان ذلك ، كان بفضل اضافات ذلك المنجز النوعية ، من حيث الفكرة المعمارية  اولا ، وتمظهراتها المطبوعة بالاسلوب التصميمي المتفرد ، ثانيا ً ، الذي جسد  " فضائيا ً " تلك الفكرة ، ومن ثم ساهم الانشاء الحصيف في تحقيقها . وفيما يخص الجهد الاخير ، الجهد الهندسي  ، الذي اضطلع به المكتب الاستشاري المصري : " حمزة ومشاركوه " ، فقد عُدت  الحلول الهندسية للمبنى المعقد انشائيا ً ، عملا ً ابداعيا ً مميزا ، وخصوصا معالجاته فيما يخص المشكلات الناجمة عن تأثيرات  المياه الجوفية ، والعمل على عدم  تسربها الى  داخل المبنى ، سيما وان المكتبة لا تبعد سوى اربعين مترا عن البحر . كما ان معضلة تباين واختلاف الاحمال في اقسام  مبنى المكتبة  ، وما ترتب عنه من تقصي منظومات انشائية خاصة< واحيانا غير مسبوقة > للاسس ، كلها عملت على جعل أداء المهندسين المصريين لان يكون اداءا معبرا ً ، لا يقل من حيث الاهمية التصميمية عن  فرادة حلول المبنى المعمارية .

 

لقد عُد ّ  حدث تنفيذ  " مكتبة الاسكندرية " الجديدة  ، بمثابة تحقيق حلم ؛ حلم معماري جميل ، وحلم ثقافي رائع ، وننتظر من فعل تحولات ذلك الحلم الى واقع مادي ، مشيد  الان  في مكان ما ، من شارع " كورنيش " مدينة الاسكندرية ، ان يكون ذلك الفعل ، وذلك الواقع حافزاً  للجميع بمنطقتنا ، لتحقيق احلام اخرى : جميلة ورائعة : معمارية وثقافية ؛ تليق بما يعده لنا المستقبل الاتي السعيد  ، المستقبل الذي يبشر بملامحه ،  قرص " شمس " مبنى المكتبة ، الذي تشي هيئته دائما ً  الى فعل .. البزوغ ! .

 

 

د . خالد السلطاني

معمار ، واكاديمي

مدرسة العمارة / الاكاديمية الملكية الدانمركية للفنون

كوبنهاغن- الدانمرك

 

نيسان 2005





تاريخ اﻻضافة | الاثنين 26 مايو 2014
عدد المشاهدات | 1120 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا