أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار114992
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3303
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن8
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
من الصحافة » التجديد والمقاومة

التجديد والمقاومة

د. مشاري عبدالله النعيم

 

يقول غازي القصيبي إن محاولة تطبيق أفكار جديدة بواسطة رجال يعتنقون أفكارا قديمة هو نوع من مضيعة الجهد والوقت، وأذكر أنني قرأت مرة أن الوصول للإضاءة الكهربائية لم يكن من خلال المحاولات المتكررة لتطوير الشموع، وهذا يعني أن هذه الأفكار بحاجة إلى نقلة نوعية في التفكير وفي آلية التطبيق حتى تنجح إذ لا يكفي فقط أن نأتي بالجديد بل يجب أن نطور آلية تطبيق تكون مختلفة كليًا عما اعتدنا عليه.

وفي اعتقادي أن رؤية المملكة ٢٠٣٠ تحتاج مثل هذا التحول الكامل في العمل حتى تنجح لأنه لا يكفي أن نضع رؤية متميزة ولكن المهم هو كيف ننتقل بأنفسنا من واقع مؤمن بالأفكار القديمة إلى واقع آخر يستطيع أن يتعامل مع الرؤية الجديدة. قبل حوالي عشر سنوات كان هناك شبه أزمة في "ماهية التعليم العالي" الذي نريده لبلادنا وكانت وجهة نظري الشخصية أنه يجب أن نحدد ماذا نريد أن نكون بعد عقدين من الآن ونعمل على إعداد الكوادر لهذا الهدف، ولكن بالطبع لم نحدد وجهة ولم نعمل على تحديدها فلم نحقق أي نقلة في التعليم ولا في تشكيل شخصية اقتصادية خارج إطار النفط.

نحن بحاجة إلى تحول حقيقي في أمرين، الأول هو تغيير الأنظمة والتشريعات بشكل جذري كي تواكب ماذا نريد على وجه التحديد. ويجب أن نبدأ بشكل عاجل بتلك التي تحد من التحول السريع وتمثل حجر عثرة أمام تحقيق أهداف الرؤية. في مطلع الألفية الثالثة ظهرت عبارة مهمة تزامنت مع صعود ظاهرة "العولمة" هي "الأسرع يأكل الأبطأ"، وكانت مبررات هذه العبارة هي صعود دول صغيرة في حجمها وعدد سكانها ومواردها الطبيعية لأنها غيرت من نظمها التشريعية بشكل جذري وطورت آليات تحرر مكامن الإبداع لدى الأفراد وأتاحت الفرصة لانتقال المجتمع من ساكن إلى متحرك ومنافس، وكانت البداية من التعليم ومن تشريعات الاستثمار ومن الصلاحيات المعطاة للفرد للتعبير عن رأيه ومن ثم إطلاق قدراته وطاقاته. هذه الدول استطاعت أن تتجاوز دولا أكبر منها حجما وسكانا وموارد في بضع سنوات.

الأمر الثاني هو اختيار الرجال المناط بهم مهمة التحول، وكان ذلك عن طريق قيام تلك الدول على استقطاب الأكفأ مع التقليل من الصلاحيات المعطاة لهم في مقابل زيادة قدرة أفراد المجتمع على الحركة والعمل والبناء الذاتي من أجل المساهمة الفعالة في إحداث التحول الاقتصادي والاجتماعي المطلوب.

هذان التحولان يجب أن يكونا ضمن البنية الاساسية لأي رؤية ويجب أن تكون البداية منهما وإلا سوف تدخل تفاصيل الرؤية أثناء تطبيقها في متاهات كبيرة وسوف تتوه أهدافها مع العوائق التي سوف تظهر حتما لأن كل جديد سوف يواجه مقاومة حادة من القديم المتمكن تاريخيا من مفاصل المجتمع.

لقد أطلقت على هذه الظاهرة "المقاومة الثقافية" وتعني أن هناك بنى متمكنة من المجتمع تشكلت ورتبت أوضاعها على بقاء البنية القائمة دون أي تغيير لأنها تصب في مصالحها المباشرة وأي تغيير لهذه الأوضاع يعني وجود مخاطر على هذه المصالح وبالتالي سوف تتحرك عفويا للدفاع عن وجودها وبقائها وسوف تحاول بشتى الطرق إفشال الرؤية الجديدة لأنها لا تخدم بقاءها. لذلك فإن الخطوة الأولى هي التعامل مع هذه المقاومة وفهمها ومحاولة تغييرها بشتى الوسائل.

ربما يكون من المجدي العودة لما ذكره عالم الاجتماع الأميركي "بارسونز" في مسألة كيف تبتكر المجتمعات التغيير وتتقبله، فقد وضع أربع مراحل لنظريته تبدأ بأن المجتمع يعتبر الجديد نوعا من "الخطأ" ويبدأ باكتشاف هذا الخطأ من خلال ممارسته لهذا الجديد المفروض عليه والتعامل معه بشكل مباشر لكنه سرعان ما يبدأ بالرضوخ لهذا الجديد واعتباره في مرحلة ما أمرا واقعا لكنه لا يتقبله بل يتعامل معه بحذر وهذه هي المرحلة الثانية. يصل المجتمع بعد ذلك إلى مرحلة تقبل الجديد واعتباره أمرا واقعا في مرحلة متقدمة، وفي المرحلة الرابعة يبدأ المجتمع بتبني هذا الجديد والدفاع عنه.

المسألة هي: ما هو الجديد الذي نريد أن يتبناه المجتمع ويدافع عنه، هل هو "الرؤية" أم ما ستقدمه الرؤية من تغيير حقيقي في الواقع التنظيمي والتنفيذي ومن ثم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي؟

بالطبع "بارسونز" لم يعتبر هذه المراحل عفوية، أي أنها لا تتحقق دون وجود داعم "سلطوي" يجعل من الانتقال من مرحلة إلى أخرى مرتبطا بوجود تشريعات تحد من سلطة المقاومة الثقافية المجتمعية التي سوف ترفض الخطأ (الجديد) وسوف تحوره في بدايته، فهذه المقاومة سوف تعمل بكل طاقتها من أجل إيقاف هذا التغيير الذي يهددها، لذلك من الضروري أن يكون هناك تغيير في التنظيمات والتشريعات كرادع سلطوي يقاوم المقاومة ويوقفها عند حدها. هذه المسألة بالذات يجب أن تعطى عناية خاصة، لأنه لا جدوى من محاولة التجديد ونحن نعلم بوجود قوى مقاومة له ولا نعمل أي شيء حيال هذه القوى.

يبقى موضوع اختيار من يقود التجديد، وهذا أمر تكتنفه صعوبات عدة لأن التركيبة الخاصة بالقوى المقاومة للتجديد عادة ما تكون مهيمنة على المشهد التنفيذي التقليدي وتغيير هذه القوى يتطلب جرأة كبيرة خصوصا مع وجود تيار تقليدي يعمل في العلن والخفاء لإيصال التنفيذيين الذين يحمون الحالة المتوارثة وإبقائها. ومع ذلك فإن النقلة النوعية في تطوير التشريعات سوف تحد من هذه الظاهرة لأنها ستقلص من نفوذهم التاريخي وستجعلهم عرضة للمحاسبة وللتقييم خصوصًا من قبل أفراد المجتمع مع تصاعد دورهم وتأثيرهم. في حقيقة الأمر أن مجموعات القوى المتنفذة في أي مجتمع عادة ما تعمل على تطويق نفسها بسياج يبعدها عن المحاسبة لكن مع وجود تشريعات جديدة نافذة سوف يتفكك هذا السياج مع الوقت وستتفكك معه هذه القوى.

وأخيرا حتى تتحقق أهداف رؤية المملكة يجب أن نلتفت لهذه الظواهر المقاومة داخل المجتمع ويفترض أن نواجهها بقرارات سيادية جريئة، لأنه لا يكفي أن نحلم ونتمنى ونتوقع أن تتحقق أحلامنا وأمنياتنا.

 

___________________________________________________________

نُشر هذا المقال للدكتور مشاري النعيم في جريدة الرياض، 10 ديسمبر 2016 ،، على الرابط التالي:

http://www.alriyadh.com/1553733





تاريخ اﻻضافة | السبت 10 ديسمبر 2016
عدد المشاهدات | 424 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا