أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115141
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3327
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن6
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
من الصحافة » تعثر المشاريع الحكومية .. الإنجاز أم تنفيذ العقد

تعثر المشاريع الحكومية .. الإنجاز أم تنفيذ العقد


أسال بتعجب: لماذا تتأخر المشاريع الحكومية؟ هل اللوم كله يقع على المقاولين، هل يعقل أن جميع أو أغلب المقاولين الذين يعملون مع الحكومة لديهم مشاكل، الأمر الذي يجعل المشاريع تتعطل بهذه الصورة؟

لقد أصبح تعثر المشاريع الحكومية ظاهرة واضحة جدا، ولعله صار من الضروري أن نناقشها بهدوء، فالأمر يبدو أن له أوجهاً أخرى مرتبطة بشكل خاص بالبيروقراطية الحكومية وبالفساد المالي بشكل عام. فلو عدنا إلى آلية عمل المشاريع الحكومية سوف نجد أن الدائرة المعنية تتحكم في إدارة عقد المشروع وتحاول تنفيذه حرفيا بصرف النظر عن جودة المشروع، وهي هنا تحاول الضغط على المقاول أو الاستشاري الذي ينفذ المشروع، إما بهدف عدم مساءلتها مستقبلا أو بهدف الحصول على فائدة شخصية، ويختلف هذا الأمر من جهة إلى أخرى.

ما أقصده هنا هو أن كثيرا من المسؤولين الحكوميين ليسوا معنيين بجودة أداء المشروع بل جل ما يهمهم هو أن ينفذ العقد بحذافيره (حسب النص وليس حسب ما يجب إنجازه)، هذا إذا كانوا من غير ذوي المصالح الشخصية الذين يلوون ذراع المقاولين من أجل الحصول على مكاسب مالية شخصية، فهنا تصبح بنود العقد والجودة غير مهمين على الاطلاق ويتم استلام المشاريع وهي في حالة يرثى لها.

المشكلة تكمن في إدارة العمل الحكومي بشكل عام، فهي إدارة تشجع على الفساد وتقلل من فرص النجاح لأي مشروع لأنها أولًا إدارة لا تملك الكوادر المتميزة فأغلب الذين يعملون في الإدارات الهندسية في الدوائر الحكومية لا يملكون الخبرة والمعرفة الكافية، وثانياً لأن النظام الاداري نفسه يعطي هؤلاء صلاحيات واسعة "لتخريب" المشاريع التي تحت أيديهم وحرف أي مقاول عن مساره (خصوصا وأن المقاول عادة لديه الاستعداد للانحراف فما يهمه هو أن يزيد من هامش مكاسبه).

نحن لا نبالغ هنا في تصوير الوضع القاتم للمشاريع الحكومية فهذا غيض من فيض، فقد ذكر لي أحد الزملاء حكايته وهو استشاري تعاقد مع إحدى أمانات المناطق في المملكة، والمشروع الذي يعمل عليه هو تخطيط المدينة الرئيسية في المنطقة والعقد ينص على توفير فريق عمل يعمل مع فريق الامانة، وصاحبي لم يتوان عن تنفيذ بنود العقد إلا أن بعض أعضاء الفريق لم يكتمل عددهم، لكنه كان يرسل فريقا رديفا للعمل على جمع المعلومات وتحديد ملامح الوضع الراهن للمدينة، وشكل فريقا آخر للعمل في مكتبه الرئيس لوضع الخطط حتى لا يتأخر العمل، واستعان بخبرات متعددة (كفريق استشاري غير متفرغ) من أجل ضمان تحقيق الهدف التخطيطي الذي يتطلب دراية وخبرة يصعب توفيرهما في فريق العمل بالموقع.

المفاجأة الكبرى أن الامانة رفضت العمل وهددته بسحب المشروع بحجة أن فريق العمل لم يكتمل (رغم أنه لم يحصل حتى الآن على ريال واحد من قيمة العقد وقد صرف مبالغ طائلة على المشروع)، والمشكلة الأكبر هي أن الأمانة تقول إن العمل الذي تم إنجازه كبير، فكيف تم تحقيقه دون فريق عمل في الموقع، وكأن الأمر الذي يعني الأمانة هو صور العاملين في المكاتب لا العمل الذي يقومون به، رغم أن الاستشاري قد أبلغهم من اليوم الأول أنه شكل فريق عمل في مكتبه الرئيس (الذي يقع في منطقة أخرى)، وطلب منهم زيارة المكتب عدة مرات للتأكد من وجود الفريق، لكن الأمانة رفضت العمل بحجة أنها تعتقد أنه قام بتنفيذه من قبل جهات أخرى لا تعلمها الأمانة.

المثير للشفقة هو هذه العقلية التي تدير الامانات في المملكة والمسؤولة عن أغلب المشاريع الحكومية، فقد سألهم صاحبي مباشرة، هل المهم هو اكتمال فريق العمل دون تنفيذ المشروع أم تنفيذ المشروع حسب ما تتطلع له الأمانة وتحتاجه المنطقة؟! العمل التخطيطي على وجه الخصوص لا يحتاج إلى "موظفين" بل يحتاج إلى "مفكرين" وهؤلاء لايمكن أن يكونوا ضمن فريق عمل متفرغ في الموقع (فتكلفتهم عالية جدا ولا تتناسب مع أسلوب المناقصات الحكومية)، وما قام به الاستشاري هو اتباع القول المعروف "سددوا وقاربوا"، فإما تحقيق جودة تخطيطية عالية أو توفير فريق عمل ضعيف (حسب ميزانية المشروع) لا يصنع أي تغيير تخطيطي يذكر.

لقد حاول صاحبي خلال الشهور الماضية أن ينظم ورشة عمل يشارك فيها المجلس البلدي والمهتمون من ابناء المنطقة كي يعرض عليهم خطة المدينة المستقبلية لكن الأمانة رفضت ذلك فهي تريد أن يكتمل فريق العمل ولا يهمها ابدا أن تخطط المدينة بشكل صحيح، وهذه والله طامة كبرى.

الأمر محزن فعلًا، فقد غلب على عقول المسؤولين في الامانة الحس البيروقراطي في مشروع يفترض أنه مشروع "فكري" يستشرف المستقبل، ولعلي هنا أشيد بما تقوم به هيئة تطوير الرياض، التي تتعاقد مع مكاتب كبيرة وليس بالضرورة أن يكون فريق العمل متواجدا في الرياض، ويكون عادة هناك ممثلون يعملون مع فريق العمل في الهيئة بشكل يومي أما باقي الفريق فيعمل في المكتب الرئيس ويتم تنظيم ورش عمل يحضر فيها الاستشاريون "الكبار" الذين يعملون في المشروع. هذه هي الآلية التي يجب أن تعمل بها الأمانات حتى لا تتعثر مشاريعها وحتى لا يقوموا بعمل دراسات يكون مصيرها الأدراج، فقد قامت وزارة الشؤون البلدية والقروية بعمل عشرات المخططات الهيكلية للعديد من المدن السعودية، ولم نستفد ابدا من تلك الدراسات والخطط بسبب العقلية البيروقراطية لمسؤولي الامانات.

وأنا هنا أناشد الأمير الدكتور وزير البلديات بتغيير هذه السياسة وفتح العمل الاستشاري في الامانات بحيث يكون عملا "تفاعليا" مبنىا على الانجاز وتنفيذ العمل لا تنفيذ بنود العقد، فهناك فرق كبير بين الاثنين، ونحتاج في المرحلة القادمة أن نتحرر من هذه البيروقراطية التي تستنزف مواردنا ولا تقدمنا خطوة واحدة للأمام.

من الواضح أن المشكلة تكمن أصلًا في "العقلية الإدارية" التي تدار بها المشاريع الحكومية على الاطلاق، رغم الاختلاف بين هذه المشاريع (مقاولاتية أو استشارية) إلا أنها تجتمع في عقلية إدارية بيروقراطية متنفذة أعطيت مطلق الصلاحية لتخريب وتعطيل هذه المشاريع ودون أن يحاسبها أو يراقبها أحد (خصوصا وأن هذه العقلية تدربت على التملص من المسؤولية في حال إخفاق المشاريع، وترك مكانها نظيفا بحيث لا يستطيع أحد محاسبتها). ومع ذلك يجب أن أؤكد هنا أن هناك أسبابا أخرى لتعثر المشاريع الحكومية تبدأ من أسلوب طرح المشاريع التي يتنافس فيها المقاولون على السعر الأقل بصرف النظر عن الجودة، وانتهاء بأسلوب صرف مستحقات هؤلاء المقاولين التي هي بيد المسؤولين في الدوائر الحكومية ويستخدمونها كورقة ضغط لفرض بيروقراطيتهم أو لفسادهم المالي.

هذه العقلية لم تعد مقبولة، فنحن أحوج ما نكون إلى نظام إداري شفاف يدار بعقلية يهمها الإنجاز لا البحث عن كل السبل للفائدة الشخصية على حساب جودة المشاريع نفسها.

 

د. مشاري النعيم

جريدة الرياض

http://www.alriyadh.com/2012/08/11/article759074.html





تاريخ اﻻضافة | الثلاثاء 21 يناير 2014
عدد المشاهدات | 875 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا