أحصائيات الموقع
  • عدد الزوار115140
  • عدد التعليقات17
  • عدد التوقيعات3327
  • عدد المقالات212
  • المتواجدون اﻻن3
روابطنا علي التواصل الاجتماعي
البوم الصور
في العمران » بيوت بغداد التقليدية 1

بيوت بغداد التقليدية 1

د. وليد أحمد السيد

  ///

  تعد البيوت التقليدية في مدينة بغداد والتي تطورت منذ الفترات المتعاقبة ما بعد القرن الثاني عشر من البيوت في العالم العربي التي تتميز بنمطية معينة من جهة، وبغنى ووفرة بعض المفردات المعمارية التي تشترك بها مع العديد من أنماط البيوت على مختلف ارجاء الوطن العربي من جهة أخرى. فمن ناحية النمطية تتميز هذه البيوت من ناحية عامة بكونها تحتوي على افنية تتوسط هذه البيوت، كما أنها تندمج مع النسيج العمراني الحضري المكون للمدينة ككل.اضافة إلى ذلك فيتمتع التكوين العمراني الداخلي لها بآلية تشكيلية منظمة تحكم نسيجها الفراغي وأنها غالبا ما ترتفع على طابقين.


ومن ناحية أخرى تظهر النظرة الأولية احتواءها على عناصر ومفردات كالمدخل المنكسر والمشربية والقاعة أو الايوانات، أو فسقية الماء التي تتوسط الفناء، بالإضافة إلى قواعد بنائية عامة تحكم البناء في العمارة العربية الإسلامية كالاعراف البنائية و استعمال مواد البناء المحلية المتوفرة وغيرها. ومن أجل عدم الوصول إلى نتائج مسبقة يسعى هذا المقال تاليا للمقال الافتتاحي السابق إلى التعريف بمميزات وملامح البيت التقليدي لمدينة بغداد من ناحية، وكذلك للتعرف على أنماط البيت البغدادي تمهيدا لمعرفة اوجه التشابه والاختلاف بين البيت العربي بعامة بين الاقاليم تاليا والتحقق من فرضية وجود أو عدم وجود أكثر من (فكرة عامة) للبيت العربي والتي هي مدار بحث وتمحيص في اطار مسألة الاقليمية والمحلية. ومن أجل التعرف وإلقاء الضوء على ذلك فسيتم طرق هذا الموضوع على جزأين: ففي هذا المقال سنستعرض أبرز الدراسات التي القت الضوء على هذا الموضوع وذلك بدراسة خصائص البيت من نواحٍ تكوينية تشكيلية، وكناتج اجتماعي وكافراز لمفردات وعناصر منظمة للعلاقات الداخلية. أما في المقال التالي فنستطرد في التعرف على بعض الدراسات المبتكرة، والتي يمكن ان تسهم في التعريف باوجه التشابه والاختلاف محليا واقليميا بين البيوت العربية التقليدية في بغداد واقليميا بين المدن العربية المختلفة وهو مشروعنا لما يلي من هذه السلسلة من المقالات حول البيت العربي.


لعل من أبرز الدراسات النظرية التي بحثت موضوع البيت البغدادي بشكل متكامل نسبيا ما نجده في دراسة الدكتور (إحسان فتحي) و(جون وارن)، والتي تطرق الموضوع ضمن عدة مستويات ابتداء بتاريخ نشأة وتطور البيت في بغداد، ودراسة شكل البيت وعناصر تكوينه المناخية، ودور مواد البناء، انتهاء بالتعريج على التفاصيل المعمارية وأساليب الحفاظ الحضري لوقاية البيوت المتداعية من الاندثار نظرا لطبيعة المواد التي بنيت بها من اخشاب تتآكل أو طوب طيني يحتاج صيانة بمرور الزمن وتحت وطأة المياه من فيضانات وامطار. ويبدو ان الدراسة (البيوت التقليدية في بغداد) هي من اشملها على المستوى النظري، بيد أنها لا تفي بادراك ابعد من مميزات البيت والتطورات النمطية التي برزت تاريخيا ، مع اعطاء فكرة جيدة متسلسلة عن البيت كوحدة اجتماعية من جهة، وبيئية عمرانية متكاملة مع المحيط من جهة أخرى. اذ فضلا عن ذلك تبرز الحاجة ضمن اطار التعرف على الآلية الوظيفية التي تعمل بها فراغات البيت المختلفة ومنظومتها الاجتماعية من ادراك طبيعة العلاقات الفراغية المختلفة داخل البيت، وموقع ودور كل من هذه الفراغات بالنسبة لعلاقتها مع الفراغات الأخرى. ويبدو ان هذه الدراسات الوصفية التوثيقية لا تفي بهذا الغرض، إنما يمكن ان توفر الأساس لبناء فكرة عن مكونات البيت البغدادي.


واعتمادا على الدراسات التاريخية ينزع المفكرون ومنهم فتحي إلى الميل بأن البيت البغدادي قد نشأ وتبلور حول الفناء كمنظم فراغي غالبا وسطي تحيطه الاروقة، مما ادى إلى تبلور ونشأة ما يعرف ببيت (التارما
tarma ). ويبدو أن سيادة هذه الفرضية (مركزية الفناء ودوره في البيت) في البيوت ذات الأفنية منبعها سببين رئيسين: أولهما اجتماعي بفرض دور مركزي تجميعي وظيفي للبيت، وثانيهما مناخي بيئي بتوفير الاتصال المنظم مع المحيط وبخاصة بالنظر إلى طبيعة التشكيل النسيجي الحضري للمدينة وتلاصق البيوت وتجمعها. ويبدو أن هذا العنصر الفراغي tarma قد نشأ وتطور تاريخيا كمنظم انتقالي بين الفناء من ناحية وبين الفراغات الداخلية الأخرى على المستوى الافقي من ناحية أخرى. كما أن الدراسات التي تفترض مركزية الفناء اجتماعيا ووظيفيا لم تتحقق من مسألة مهمة في هذا الاطار وهي ان هناك انواعا من الفراغات التي تتواجد ضمن اي تكوين حضري: أولهما الفراغات التي يمكن الوصول لها والحلول بها أو يمكن الوصول إليها والمرور عبرها فقط. 


وثانيها: الفراغات التي تشكل بؤرا بصرية تلتف حولها الفراغات دون أن تشكل أهمية وظيفية خاصة، ولعل التقصي لمجموعة الفراغات المحيطة بالفناء وبخاصة في حال امتداد الفناء رأسيا على طابقين يمكن أن يفضح طبيعة هذه العلاقة النفعية الاعتمادية أو ربما التي تنقل الأهمية من الفناء إلى الفراغات المحيطة وبخاصة كونها مغطاة ويمكن أن تقي من قيظ الصيف وبرد الشتاء أكثر مما يمكن للفناء ان يفعله. وبهذا يسهل انطلاقا من هذه الفكرة معاودة النظر في هذه الفرضيات التي تولي الفناء دورا وظيفيا اجتماعيا، فيما تلفت الأنظار إلى أهمية دراسة الفراغات المحيطة وادراك دورها وظيفيا واجتماعيا. وبخاصة لدى اعتبار عامل الخصوصية والعلاقة بين القاطنين والزوار. وكائنا ما كان اسم هذه الفراغات المحيطة بالفناء -اذ تبدو ذات طبيعة منظمة فراغيا داخل الاجزاء الداخلية للبيت- يبدو ان لمتابعتها أهمية في هذا الاطار.


وبالنظر إلى مجمل التكوينات الفراغية للبيت البغدادي بمعزل عن التنوع للتشكيل حرفيا، يبدو أن البيت يتشكل فراغيا كالتالي: يتم الوصول للبيت عبر مجموعة من الفراغات الانتقالية المتتابعة والمتصلة بصريا ووظيفيا حتى الوصول للفناء الذي غالبا ما يتوسط البيت، واحيانا يحيط به مجموعة من الأروقة من أكثر من جهة والتي يقع ال
tarma فوقها. وتشكل بعض فراغات الدور الارضي ما يعرف بال talar ويقابل الايوان في بعض عمائر شمال افريقيا.


أما في الدور العلوي الذي يتم الوصول اليه من خلال ادراج فيشكل ال
tarma العنصر المنظم للانتقال إلى الفراغات الأخرى على مستوى الدور العلوي. وهكذا يبدو ان البيت يلتف رأسيا حول الفناء المتوسط، مما يعني اطلالة بصرية يتم التحكم بها لبعض الفراغات من المستويات بالطابق الاعلى وكذلك انفتاحا مباشرا أو غير مباشر لفراغات أخرى على الفناء. وبعيداً عن الدراسات الوصفية التي تسارع إلى تبني وجهات نظر حول دور الفناء اجتماعيا ووظيفيا، يبدو من المناسب محاولة التعرف على موقع العناصر من حيث الأهمية وظيفيا وفراغيا دون اللجوء لهذه الدراسات الوصفية. واعتمادا على نظرية طورت حديثا وتعرف بspace syntax والتي تعالج هذه المسألة إذ تتقصى رياضيا علاقات الفراغات ببعضها ضمن التشكل الفراغي للبيت، سنحاول القاء الضوء على تساؤلنا التالي: ما دور الفناء وظيفيا وفراغيا ضمن التكوين العضوي للبيت البغدادي؟ من خلال الاجابة على هذا التساؤل سنتطرق لدراسة موقع ودور كل من الفراغات الأخرى التي تشكل التكوين العضوي الفراغي للبيت البغدادي، وهو ما يشكل موضوع المقال التالي.

___________________________________________________________________________

المقال للدكتور / وليد أحمد السيد، نُشر في جريدة الجزيرة السعودية، العدد 10887 الصادر يوم السبت 10 جماد الأول 1423 الموافق 20 يوليو 2002

 

http://www.al-jazirah.com/2002/20020720/am1.htm

 





تاريخ اﻻضافة | الجمعة 16 مايو 2014
عدد المشاهدات | 1022 مشاهدة
التعليقات

اضافة تعليق

جميع الحقوق محفوظة لموقع الدكتور فيصل الفديع الشريف

برمجة و تصميم شركة امواج التكنولوجيا